محمد أبو زهرة
260
المعجزة الكبرى القرآن
ذلك الطير الضعيف أو تلك الحشرة الضئيلة التي يستحقرونها ، ولو أن الذباب سلب منهم شيئا ، ولو اجتمعوا مع أوثانهم على أن يستردوه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، وهم والذباب سواء في الضعف وإن بدوا أقوياء ، وهذا أضعف خلق اللّه تعالى في زعمهم ، فكيف يكون للذين يدعونهم آلهة قوة أمام اللّه ، وكيف يعبدونهم معه ، وهم لا وجود لهم ولمن يعبدونهم بجواره سبحانه وتعالى علوا كبيرا ، فهذا المثل سيق مساق الاستدلال وكان دليلا قويا ، إن كانوا طلاب حق يلتمسون الدليل عليه ، وإن كانوا طلاب باطل ضلوا السبيل ، لا يزيدهم الدليل إلا كفرا . ومن الأمثلة الموضحة التي تثبت كمال سلطان اللّه وأنه وحده القادر وبطلان غرور الإنسان إزاء قدرة اللّه تعالى قوله سبحانه : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ( 33 ) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ( 37 ) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً ( 39 ) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ( 40 ) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ( 41 ) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 ) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 ) . [ الكهف : 32 - 44 ] وهذا المثل الواقعي التصويرى فيه دليل على إثبات حقيقتين - أولاهما أن المغتر دائما يدلى به غروره إلى أنه يحكم على المستقبل بما هو عليه في الحال القائمة ، والقوة الموهومة ، فذو الجنة والنفر ظن أن الحاضر ينبئ عن المستقبل وغره باللّه الغرور ، وتعالى من غير علو ، وتسامى من غير سمو ، واستقوى من غير قوة ، فجاء المستقبل ، وخيب الأمل وكشف الحقيقة . الحقيقة الثانية إثبات أن الولاية والنصرة للّه سبحانه وتعالى ، وأنه وحده المالك للأمور كلها في ماضيها ومستقبلها وشاهدها ، وغائبها . فكان المثل دليلا على وباء الغرور ، وأن الأمر للّه وحده .