محمد أبو زهرة

261

المعجزة الكبرى القرآن

ومن الأمثال الموجهة إلى الحقائق الخلقية والدينية قوله تعالى في سورة القلم : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ( 17 ) وَلا يَسْتَثْنُونَ ( 18 ) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ( 19 ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( 20 ) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ( 22 ) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ( 23 ) . [ القلم : 17 - 23 ] سيقت قصة أصحاب الجنة الدنيوية ، وهي قصة واقعية تصويرية ، وهي دليل مثبت - أولا - لأن الزكاة تطهر المال وتحميه لقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها فهي للمال نظافة ونماء - وهم قد أقسموا ليصرمنها مصبحين ، وأن لا يدخلنها اليوم عليهم مسكين ، وتثبت ثانيا - أن العاقبة الحسية تؤثر في النفس إن كان فيها قابلية للهداية ، وهؤلاء إذا كانت قد ضاعت منهم الثمرات ، فقد عادت إليهم بأعظم العظات ، فما كسبوه من عظة أكثر مما فقدوه من ثمرة ، وثمرات القلوب أطيب من ثمرات تشتهى الأبدان طعمها ، وهي دليل على أن اللّه تعالى لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء . وأن الأقدار تحت سلطانه ، ويجريها ، كما يحب وكما يشاء . ومن الأمثلة التي تساق مساق الدليل قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . [ النحل : 75 ، 76 ] والآيات قبل ضرب هذين المثلين كانت في الأمر بعبادة اللّه تعالى وحده والإخبار عن عبادة المشركين من لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، إذ يقول سبحانه : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ فجاء سبحانه وتعالى بهذين المثلين ، وهما يبطلان عقيدة الشرك ، وزعم المشركين ، بأمثلة تقع في الحياة ، والحكم فيها من البدهيات التي لا ينكرها عاقل ، ولا يختلف فيها فكر عن فكر ، وكل مثل من المثلين دليل قائم بذاته على بطلان الوثنية ، إذ فيه تسوية بين من لا يقع بينهما التساوي . أما أولهما فقد ضرب برجلين أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شئ ، لأنه مملوك لغيره ، فهو ليس له مال ، فهل يستوى هذا مع رجل مرزوق من اللّه تعالى رزقا