محمد أبو زهرة

251

المعجزة الكبرى القرآن

الشمس ، وأصبحت لا تساوى بجوار القرآن شيئا ، وإن الذين يسيئون إلى كل كلام بليغ مهما تكن درجته هم الذين يضعونه بجوار القرآن ، وأنى يكون كلام بجوار كلام خالق البشر ، وأنى يكون كلام ابن الأرض بجوار كلام اللّه في اللوح المحفوظ . وإننا مهما نحاول تعارف أسرار البلاغة في القرآن ، فلن نصل إلى كلام محكم ، كمن يحاول معرفة الروح ، فهي من أمر اللّه تعالى ، نعرف مظاهر الحياة منها ، ولكن لا نعرف كنهها ، فنحن نعلم علو القرآن وإعجازه وامتيازه ، وأنه لا يحاكى ، ولكن لا نستطيع أن نعرف سر هذه الروعة التي يحسها كل قارئ مدرك . ولعل من التوفيق للباقلاني أن جاء بأبلغ كلام ووضعه بجوار كلامه سبحانه ، فبدا بجواره هزيلا ، مهما تكن درجته في البيان ، وذلك أمر ظاهر ، لم يجيء الإعجاز بصرف ، ولكن بإدراك المقام البلاغي للقرآن وإن لم يعرف السر كاملا . ونعود إلى ذات الخطبة نجدها صادقة كل الصدق في وصف أبى بكر خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنها وصلت إلى أقصى الغاية في مناقبه ، وفي مقامه من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي مواقفه في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومواقفه إذ انتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى ، فقد أنقذ الإسلام عند الصدمة الأولى ، وهي حالة الردة . والخطبة العلوية هذه فيها وصف الحاكم العادل ، كيف يكون رحيما برعيته . مصدر أمن ، لا مصدر إزعاج ، متطامنا لهم ، قريبا من أنفسهم ، لا يطمع القوى في حيفه ، ولا ييئس الضعيف من عدله . وقد ذكرنا هذه الخطبة أيضا لنشير إلى الينابيع البيانية التي استقى منها القول في إعجاز القرآن ، وهو أساس لكل كلام محكم . ومن معرفة بلاغة القول أن نعرف المواضع التي بنى عليها الاستدلال ، ونحن هنا نريد ابتداء أن نعرف المنهاج القرآني للاستدلال ، والأصول التي بنى عليها استدلاله في نظرنا القصير ، وإن كان في كل ما يتعلق بالبيان عن المثيل ولا يمكن أن يكون له مثيل . 142 - وإن رجال البيان في بيان مناهج الخطب واستدلالها يتكلمون في الينابيع التي يستقى منها الخطيب أدلته أو براهينه ، ونحن مع إقرارنا بأن منهاج القرآن أعلى من الخطابة ، كما هو أعلى من الشعر والسجع ، نرى أن نستعير من علماء البلاغة كلاما في مصادر الاستدلال ، ونريد أن نتعرف المصادر الذاتية التي بنى القرآن الكريم استدلاله عليها ، وإن كان مقامه أعلى وأعظم ، وهو معجز في ذاته ، وليس ككلام البشر ، وإن بنى على حروف البشر وألفاظهم ، ومن جنس كلامهم . ويقولون : إن الاستدلال الذي يستمد من مصادر ذاتية ، أي تؤخذ من ذات الموضوع ، وهي أشبه بالبرهان المنطقي ، وإن كانت أعلى ، وهي ستة مواضع أو ينابيع :