محمد أبو زهرة
238
المعجزة الكبرى القرآن
الإيجاز . وإذا كان الإطناب في منزلة الأمر بحسن أكثر منها ، فالإطناب حينئذ إيجاز كصفة ما يستحقه اللّه تعالى من الشكر على نعمه فإطناب فيه إيجاز » . وإن الرماني يتجه بهذا إلى معان ثلاثة : أولها - أنه يصف الإيجاز بأن فيه تصفية للألفاظ من الكدرة ودرن القول وحشوه . وأنه البيان عن المعنى بأقل ألفاظ ، وأن المعنى الكثير يكون في أقل مقدار من اللفظ ، وأن المتكلم أو الكاتب يجهد فكره عند الاتجاه إلى الإيجاز ليأتي بأوجز لفظ يحمل أكبر معنى ، وقد قال إمام من أئمة عصرنا في البيان في كتاب أرسله إلى صديق له وأطنب فيه « اعذرنى في هذا الإطناب فإنه ليس عندي وقت للإيجاز » لأنه بالنسبة للبشر جميعا ليس سهلا ، لأن الإطناب إرسال الحقائق إرسال ، أما الإيجاز ، فإنه جمع للحقائق في أقل الألفاظ وأجملها ، وأبعدها عن الكدر والدرن . ثانيها - أن الإطناب نسبى ، فإنه إذا كان المعنى كثيرا واللفظ كثيرا ، فإنه يكون إطنابا ، وإذا كان المعنى الكثير يمكن أن تكون ألفاظه أكثر فإن ذلك يكون إيجازا مسببا . ثالثها - أن كل ألفاظ ذات معان كثيرة ، وقد وضعت على قدرها ، فإن كان الواضح قلة الألفاظ مع كثرة المعنى كان الإيجاز ، وإن كان الواضح الكثرة في اللفظ والمعنى من غير تزيد ، بل لمقصد ، فهو إطناب . والقرآن في حالي الإيجاز والإطناب محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . طوال السور وقصارها 135 - ونحن نتكلم في الإيجاز والإطناب لا بد أن نمس موضوع السور الطوال والسور القصار . لقد علمت مما قدمناه جمع القرآن في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإعادة جمع ما كان في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم في مصحف جامع ، وما أعاد به عثمان جمع ما جمع أبو بكر وعمر . ونشر نسخ مما جمع في الأقاليم للمسلمين . وقد قررنا في ذلك أن الإجماع أن السور رتبت بوحي إلهي ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن قرأه على جبريل عليه السلام بذلك الترتيب وذلك موضع إجماع ، بل موضع تواتر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن ترتيب السور في المصحف العثماني كان بهذا الترتيب الذي نقرؤه . وأن هذا الترتيب في آيات السورة الواحدة لم يكن على حسب النزول ، بل كان كما ذكرنا بالوحي فكانت الآية إذا نزلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال عليه الصلاة والسلام لكتابه وصحابته : ضعوها في موضع كذا من سورة كذا ، وكذلك لم يكن ترتيب السور