محمد أبو زهرة
239
المعجزة الكبرى القرآن
فيما بينها تابعا لنزول الوحي ، بل كان بوحي توجيهى لوضع السور في أماكنها ، فإذا كانت السور الطوال في هذه المواضع من القرآن ، والسور القصار في هذا الموضع من الطرف الأخير فيه ، فإن ذلك بتوجيه من اللّه سبحانه وتعالى . وكان من المستحسن أن نتكلم في هذا لا في مقدار البلاغة فيها ، فالجميع سواء ، ولكن من حيث الحكمة إن أمكن أن يؤدى تطاولنا إلى معنى ندركه ، فكتاب اللّه فوق طاقتنا في إدراك مراميه كلها ، لأنها إرادة اللّه تعالى ، وهي لا تقبل التعليل ، لأنه لا يسأل عما يفعل ، وعباده هم الذين يسألون . ولكن مع ذلك نحاول أن نتعرف حكمة اللّه تعالى أو ما نراه من أوصاف للسور الطوال وأخواتها القصار . إننا نجد في قصار السور ، وصفين : أحدهما - أن نظم السور القصار كله يكاد يكون على نسق واحد مؤتلف النغم متآخى الألفاظ متلائم في نظمه ، اقرأ قوله تعالى : وَالشَّمْسِ وَضُحاها ( 1 ) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ( 2 ) وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ( 4 ) وَالسَّماءِ وَما بَناها ( 5 ) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها ( 6 ) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 ) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 ) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ( 14 ) وَلا يَخافُ عُقْباها ( 15 ) [ الشمس : 1 - 15 ] . وإنك لترى النغم متحدا ، والفواصل متحدة ، والتلاؤم بين ألفاظها منهاجه واحد ، وكأنها لقصرها لا تتغير فيها الأنغام ولا مقاطع الكلام . الثاني - من الأوصاف الواضحة في السور القصار إيجاز القصر فتجد القصة من قصص القرآن تذكر في كلمات جامعة ويبعد فيها الأسلوب عن الإطناب في القصة لحالها في مواضع من القرآن الكريم ، وكلها معجز ببيانه وبلاغته . اقرأ قوله تعالى : وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( 4 ) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) . [ الفجر : 1 - 16 ]