محمد أبو زهرة
235
المعجزة الكبرى القرآن
3 - وقوله تعالى : وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) [ المؤمنون : 52 ] فإن هذه الآية تبين وحدة الأمة الإسلامية مع غيرها بأوجز عبارة ، فتشمل الوحدة الأبيض والأسود ، والأحمر والأصفر ، والبادى والحضري ، وسكان الوبر ، وسكان المدن ، لا تفرقهم الألوان ولا الألسنة ، وأن التقوى يجب أن تكون لباسهم وشعارهم ، وهي التي تعلى ، ومثل ذلك قوله تعالى في إيجاز : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] . 4 - ومنها قوله تعالى : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] فهي في إيجازها اعتذار عما كان من امرأة العزيز ليوسف عليه السلام وإنها لأحداث كثيرة ، فوق ما فيه من دلالة على معان نفسية تكون في الوجدان الذي تحكمه شهوات ، الضمير اللائم ، المحاسب الذي يصوره قول اللّه تعالى : بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ . 5 - ومنها قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [ النمل : 14 ] فإن هذا النص السامي بكلماته القليلة الموجزة فيه تصوير لحال المشركين الذين ألزمتهم الحجة ولكن لم يذعنوا عصبية وعنادا ، ومحافظة على سيطرتهم الغاشمة . 6 - ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) [ الحجر : 95 ] وفي هذا النص إيجاز فيه ألفاظ قليلة ومعان كثيرة بمقدار جرائم المشركين في الاستهزاء بالنبي وأصحابه ، ومضايقتهم في العبادة ، ومنه الطواف بالبيت ، فقد كانوا كلما لقوهم سخروا منهم ، فمعنى كفيناك المستهزئين عاقبناهم على ما فعلوا في الماضي ، وخضدنا شوكتهم في الحاضر ، وشغلناهم في القابل ، وسلط اللّه الحق على باطلهم إلى آخر ما نالهم في الدنيا من خزى وما نالهم في الآخرة من عذاب . 7 - ومنها قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) [ الإسراء : 16 ] فإن هذا النص قليل الألفاظ فيه معان كثيرة ، لأنه سبحانه يشير إلى أن هلاك الأمم إنما يكون إذا شاع الفساد بين آحادها وإنما يشيع الفساد ممن غلبت أهواؤهم وسيطرت عليهم شهواتهم ، وأن ذلك من الذين نشئوا مترفين لا يرون حق الحياة خالصا إلا لهم ، فيعم الفساد في الأرض ، وتتقطع الأمة وتتنابز ، وكل ذلك من سيطرة المترفين . ومن ذلك قوله تعالى : كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [ الطور : 21 ] ، أي أنه مجزى بعمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ومثله قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) [ النجم : 39 ، 40 ] ومثل قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] .