محمد أبو زهرة

236

المعجزة الكبرى القرآن

134 - وإن العرب كانوا يميلون إلى الإيجاز في القول ، ويعدون الإيجاز بلاغة ؛ وذلك لأنهم لم يكونوا أهل قراءة وكتابة ، بل كانوا أهل بيان باللسان ، وقد صقلت بذلك كلماتهم وهذبت عباراتهم ، وقد قال الجاحظ أن الإيجاز في القرآن كان عند محاجة العرب الأميين الذين يفهمون القول بالكلمات المشيرة غير المفصلة ، والتفصيل من شأن من يعتمد على الكتاب دون اللسان . ولقد كانوا يتبارون في الكلام الذي تدل ألفاظه على معان كثيرة وكانوا يعدون من أبلغ كلامهم قول بعض العرب : « القتل أنفى للقتل » أي من يريد القتل إذا علم أنه سيقتل ، فإنه لا يقتل . ولا شك أن ذلك حق ، وقد اتجه كثيرون من الأدباء والمفسرين إلى الموازنة بين ما يدعونه أبلغ قولهم ، وقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ والموضوع أيهما أبلغ وأجمل أداء ، ولكلام اللّه تعالى المثل الأعلى . وقد عقد الرماني في رسالته موازنة بين الجملتين ، وإن كانت الموازنة ليست بين متماثلين ، بل ليست بين متقاربين ، وإن كان الموضوع متقاربا فقال : وقد استحسن الناس من الإيجاز قولهم : « القتل أنفى للقتل » وبينه وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة والإيجاز وذلك يظهر من أربعة أوجه : أنه أكثر في الفائدة ، وأوجز في العبارة ، وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة ، وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة ، أما الكثرة في الفائدة ففيه كل ما في قولهم : « القتل أنفى للقتل » وزيادة معان حسنة منها إبانة العدل لذكره القصاص ، ومنها إبانة القرب المرغوب فيه لذكره الحياة ، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم اللّه تعالى ، وأما الإيجاز في العبارة فإن الذي هو نظير القتل أنفى للقتل « القصاص حياة » والأول أربعة عشر حرفا والثاني عشرة أحرف وإنما بعده عن الكلفة بالتكرار الذي فيه مشقة على النفس ، فإن في قولهم القتل أنفى للقتل تكرارا ، غيره أبلغ منه ، ومتى كان التكرار فهو مقصر في باب البلاغة عن أعلى طبقة ، وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة فهو مدرك بالحس وموجود في اللفظ ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة ، وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة ، فاجتماع هذه الأمور التي ذكرناها صار أبلغ وأحسن وإن كان الأول بليغا حسنا » . وهناك وجه لم يذكره الرماني ، وهو أن كلمة العرب مقصورة على القتل أما كلمة اللّه تعالى ، فإنها تشتمل القتل والاعتداء على الأطراف ، فتشمل النفس بالنفس والعين بالعين ، والأنف بالأنف والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، بل تشمل أيضا الجروح ، فمعناها أشمل . وأمر آخر لم يذكره الرماني ، وهو أن كلمة القرآن إيجابية وسلبية معا ، فهي إيجابية في أنها تبين أن ثمة حياة رافهة هادية أمينة بالقصاص ، وفيها معنى النفي ،