محمد أبو زهرة
234
المعجزة الكبرى القرآن
هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ( 23 ) [ النجم : 23 ] وإن إخراجها عما قبلها وما بعدها يكون إخراجها لها عما يحدد أطرافها . وقوله تعالى : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] وصف كامل لكل جماعة يغلب عليها الخور والجبن ، ولكنها وصف للمنافقين ، وإخراجها عما جاءت فيه يعمم معناها ، وهي مخصوصة في السياق . 133 - وننتهى من هذه النظرات إلى الكلمات السامية ، نجدها في ألفاظها ذات عموم ، ولكن لها في حيزها خصوص مثل قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ فهي في حيزها ذات عموم ، لأن كونها حكمة لأحكام مقررة يجعل لها عموما ، ولا يقيدها حيزه ، لأنها منطلقة ، وكذلك مثل قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] وقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها [ الطلاق : 7 ] أما الآيات الكريمات الأخرى ، فإنها إذا ذكرت منفردة عن أخواتها كانت مثلا من جوامع الكلم وكان لها العموم ، وإذا أخذت مع أخواتها قيدت . وعلى أي حال ، فإن إيجاز الحذف فيها ثابت ، ولا مانع من استعمالها كأعلى مثل سائر ، واللّه أعلم . وإن الإيجاز بغير حذف كلمات كثيرة في القرآن لا تكاد تخلو منه سورة ، بل جزء من السورة ، بل صفحة من صفحاته النورانية ، وقد قلبنا بعض صفحات في القرآن فوجدنا العبارات الآتية ، وكلها فيها إيجاز قصر ، ومن ذلك : 1 - قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] فإن هذا النص له معان كثيرة شاملة يطبق في كل آمر يحبه الإنسان ، وعاقبته وبيئة أو لا يدرى عاقبته ، ولا ما يترتب عليه ، ومثل ذلك قوله تعالى : فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ( 19 ) [ النساء : 19 ] 2 - ومنه قوله تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [ البقرة : 251 ] فإن هذا النص الكريم يشير إلى المعركة الدائمة بين الخير والشر ، والحق والباطل ، والفضيلة والرذيلة ، وأن سيطرة الرذيلة والشر والباطل فساد في الأرض ومقاومة الخير للشر دفع للفساد ، وفيه إشارة إلى أن مقاومة الشر بسلاحه من غير انحدار إلى الرذيلة رحمة بالناس . فدفع الشر رحمة ورد الاعتداء ، وفي هذه الآية إشارة إلى نظرية الحرب الفاضلة والسلم الفاضلة .