محمد أبو زهرة

229

المعجزة الكبرى القرآن

فإن الإطناب في ذلك يزيد قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم تثبيتا وأنسا ، وأن القصص فوق ذلك يكون مشتملا على مناقشة الأنبياء السابقين لأقوامهم ، وأدلة التوحيد التي جاءت على ألسنتهم ، وفيه بيان أحوال السابقين ، وما كان يسيطر عليهم وعلى بيئاتهم . وإنه من مواضع الإطناب الذي لا يكفى فيه الإيجاز بطلان عبادة الأوثان ، ومجادلة المشركين ، ورد مطالبهم من معجزات غير القرآن ، وبينات تثبيت الرسالة سواه ، فإن القرآن مشتمل على الكثير منه . ومن مواضع الإطناب توجيه النظر إلى الكون ، وما فيه من خلق السماوات والأرض وما بينهما ، فإن هذه مواضع تحتاج إلى الإطناب الذي لا تغنى فيه الإشارة عن العبارة ، وفي القرآن الكريم من ذلك ما يدل على عظمة الخالق من مظهر المخلوق ، ودلالة الأثر على المؤثر والموجود على من أنشأه ، والحاضر عن الغائب . ومن مواضع الإطناب مناقشة أهل الكتاب ، وبيان إنكارهم ، وإثبات ماضيهم الذي امتد في حاضرهم . 130 - ويجب أن ننبه هنا إلى أن التكرار ليس من الإطناب ، وهو من الحشو إذا كان في سياق واحد ، فالسياق الواحد لا يتكرر فيه المعنى ، ولا يتكرر فيه اللفظ ، وإذا بدا للقارئ الذي لا يمحص المعاني والحقائق أن في الكلام القرآني تكرارا للمعنى ، فإن ذلك عند ذوى الفهم السليم تفكير سقيم ؛ لأن تكرار المعنى له وصف آخر يؤدى فكرة جديدة ، ومن ذلك قوله تعالى في وصف ميثاق بني إسرائيل الذي أخذ عليهم وأقروا به ثم أعرضوا عنه ، فقد قال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( 83 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 ) [ البقرة : 83 ، 84 ] . ولقد ادعى بعض الناس أن في الكلام تكرارا في المعنى في موضعين ، وإن كان اللفظ لا يتكرر ، ففي الأول يقول تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ فيدعى بعض الناس أن في النص الكريم تكرارا ، لأن التولي هو الإعراض ، فما معنى وأنتم معرضون إلا أن يكون تكرارا ، وإن النظر العميق يثبت أولا أن التولي هو الانصراف والبعد بالجسم ، والإعراض هو الانصراف بالقلب ، فأشبه هذا بقوله تعالى : أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) [ الإسراء : 83 ] وفي هذا تصوير حسى للإعراض فهو لم يعرض بالقلب بعدم الإذعان بل قرن المعنى النفسي بالمظهر الحسى ، كذلك هنا قرن الإعراض النفسي بالمعنى الحسى لتصوير الإعراض - وجعل الحق وراءهم حسيا ، ثم قوله تعالى : وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ حال وفيه معنى توليتم إن