محمد أبو زهرة
230
المعجزة الكبرى القرآن
كانت بمعنى الإعراض عامة ؛ وذلك لأن هذه الجملة حالية ، أي أن الإعراض النفسي عن الحق ، وجحودهم حال مستمرة من أحوالهم ، فالحق لا يصل إلى قلوبهم . والثاني وهو قوله تعالى : أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ فإن الذين يدعون التكرار في المعنى يقولون أن الشهادة هنا هي الإقرار ، فما معنى ذكرها بعد الإقرار إلا أن يكون تكرارا ؟ ونقول في الإجابة عن ذلك أن ذكر وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بعد الإقرار ليس تكرارا ، لأن الشهادة هنا ليس معناها الإقرار ؛ لأن الإقرار قد يكون عن أمر مغيب ، وإنما معناها الحضور والرؤية ، والمعنى على ذلك أنكم حضرتم الميثاق وأقررتم على ما فيه ، فهو إقرار موثق لا تستطيعون أن تدعوا الغفلة إذ هو قول وحضور ، فعن أيهما تغفلون . ومن الآيات القرآنية التي يدعى فيها التكرار بادي الرأي قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام مع قومه : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 74 ) . [ الأعراف : 74 ] وقد قالوا أن هنا تكرارا في المعنى لأن العثى هو الفساد ، فمعنى لا تعثوا لا تفسدوا ، فكلمة مفسدين تكون تأكيدا للمعنى ، والجواب عن ذلك أنه لا تكرار ، لأن النبي الأمين نهى عن الفساد ، وعن القصد إليه ، فكلمة مفسدين تدل مع لا تعثوا على عدم القصد إليه ، ومن جهة أخرى فيها إيماء إلى أن الإفساد وصف لهم ، فعليهم أن يتخلوا عن الوصف ، وهي كذلك تدل على شناعة حالهم ، وفساد جمعهم ، إذ إنه فساد لا صلاح معه ، فهل يقال بعد هذا أن ثمة تكرارا في المعاني في أي جملة من آيات كتاب اللّه تعالى . وأنه لا يوجد تكرار لفظي في جملة واحدة ، ولا في موضع واحد . وقد ادعى بعض العلماء التكرار في مواضع في القرآن وعلله بما لا يتنافى مع إعجاز القرآن الكريم ، بل إنه من دلائل الإعجاز إذ إن تكرار المعنى الواحد بعبارات مختلفة في مواضع مختلفة مع جمال الألفاظ والجمل في مواضعها المختلفة ، كأن يكرر المعنى في قصة في سور مختلفة ، وكل عبارة معجزة في ذاتها ، ويتحدى بها في نغمها وموسيقاها وألفاظها وجملها ، وعجز العرب عن أن يأتوا بأىّ عبارة منها دليل على كمال الإعجاز في جملته وفي أجزائه . ونحن نرى أنه لا تكرار في عبارات القرآن بمعنى أن يكرر المعنى من غير حاجة إليه بل ذكرنا أنه إذا تكرر لفظ أو معنى ، فإنما يكون ذلك لمناسبة جديدة ويكون عدم ذكر ما يدعى فيه التكرار إخلالا ، وذلك مستحيل على كتاب اللّه تعالى .