محمد أبو زهرة

228

المعجزة الكبرى القرآن

أُخْرى ( 6 ) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ( 7 ) [ الطلاق : 1 - 7 ] . وإنك ترى في هذا النص الكريم المعاني الكثيرة ، فهي تكاد تشتمل على أحكام المطلقات ، وفيها إشارة إلى بعض أحكام عدة المتوفى عنهن أزواجهن . وإن الألفاظ ليست قليلة ، ومن المؤكد أنه لا زيادة فيها ، بل تخلل الإيجاز بعضها . وإن أكثر آيات الأحكام فيها ذلك الإطناب الذي لا تزيد فيه الألفاظ عن المعاني ، لأنها تتعرض لما يكلف اللّه تعالى عباده ، ولا بد أن يكون ذلك واضحا للمكلف كل الوضوح حتى لا يكون في ذلك موضع إبهام تكون فيه معذرة للمكلف ، بل إنه بيان اللّه تعالى الشامل الذي لا إبهام فيه ، ولا مظنة لإبهام ، اقرأ قوله تعالى في تحريم الخمر ، إذ أطنب سبحانه ، فقد قال تعالت كلماته : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ المائدة : 90 - 93 ] . وإننا نرى القرآن الكريم يأتي بالإطناب الذي لا زيادة فيه في آيات الأحكام كما أشرنا بذلك ، وتلونا من كتاب اللّه تعالى ، فإنك لا تجد أن حكما أصليا يأتي به القرآن يكتفى فيه بالإشارة عن العبارة ، وباللازم عن الملزوم ، بل كل ذلك صريح في القرآن الكريم ، ولكن الفقهاء في استنباطهم كانوا يأخذون أحكاما من إشارات العبارات وكناياتها ، كما رأينا فيما استنبطوه من قوله تعالى : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ فإنهم فهموا منه أن الولد لأبيه ، وأن له حق التربية ، وأخذ الفقهاء من إشارات العبارات كثيرا في أبواب الفقه ، وعد ذلك من بلاغة القرآن الكريم . وإن أخذ الأحكام بطريق الإشارة دون العبارة لا يمنع أنه لم يكتف بذكر الملزوم في بيان الحكم الأصلي ، وإن ذلك ثمرات الحكم الأصلي فهمت منه ، وأما الأصل فلم يفهم إلا بالعبارة الواضحة . هذا ، ومن مواضع الإطناب الواضح في القرآن الكريم ، القصص القرآني في مواضع العبرة ، وتسلية النبي صلى اللّه عليه وسلم ببيان ما نزل بالأنبياء السابقين ، وما لاقوا من أقوامهم ،