محمد أبو زهرة
218
المعجزة الكبرى القرآن
ويستدل أيضا بقوله تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) [ القمر : 1 ، 2 ] . ويتكلم ابن سنان في البواعث التي بعثت الذين ينكرون أن يكون في القرآن سجع ، فيحمد تلك البواعث مع الإصرار على المخالفة فيقول : وأظن أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا ، رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم ، وهذا غرض في التسمية قريب ، فأما الحقيقة فما ذكرناه ، لأنه لا فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره في كونه مسجوعا ، وبين مشاركة جميعه في كونه عرضا وصوتا وكلاما عربيا مؤلفا ، وهذا مما لا يخفى ، فيحتاج إلى زيادة في البيان ، ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع . ويقول فارضا اعتراضا ، ورادّا عليه ، فإذا قال قائل : « إذا كان عندكم أن السجع محمود ، فهلا ورد القرآن كله مسجوعا ، وما الوجه في ورود بعضه غير مسجوع ؟ قيل : إن القرآن أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم ، وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعا لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه ، والتصنع ، ولا سيما فيما يطول من الكلام ، فلم يرد مسجوعا ، جريا على عرفهم في الطبقة العالية من الكلام ، ولم يخل من السجع ، لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها ، وعليها ورد في فصيح كلامهم ، فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة ، وقد أخل فيه شرط من شروطها ، وهذا هو السبب ، فأورد القرآن مسجوعا ، وغير مسجوع » . ونحن لا نفرض احتمال التكلف في القرآن قط ، لأنه من عند اللّه تعالى . ولكن نقول هكذا أراد اللّه سبحانه وتعالى أن يكون هكذا كتابه ، وإذا أردنا أن نلتمس حكمة لذلك ، فهي فيما قال سبحانه : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ الكهف : 54 ] فتصريف القول في القرآن ، كان من جماله الذي يعلو على كل البشر بأن يكون تصريف القول فيه بسجع أحيانا إن ارتضينا مذهب السجع ، أو الفواصل المتقاربة حروفها في المقاطع أحيانا أو إطلاق الألفاظ في القرآن ، من غير مقاطع ، مع ملاحظة أن ذلك كله في أعلى درجات البلاغة التي لا يصل إليها أحد من البشر . وابن الأثير في كتابه المثل السائر يستنكر قول الذين يذمون السجع ، ويستنكر قول الذين لا يسمون ما في القرآن من اتحاد المقاطع في الحروف سجعا ، ويقول في ذلك : « وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة ، ولا أرى لذلك وجها سوى عجزهم أن يأتوا به ، وإلا فلو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم ، فإنه قد أتى منه