محمد أبو زهرة
219
المعجزة الكبرى القرآن
بالكثير ، حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة كسورة الرحمن ، وسورة القمر وغيرهما ، وبالجملة فلم يخل منه سورة » . وترى أنه يستحسن السجع ، ويرمى الذين لا يستحسنونه بأنهم لا يجيدونه ، ونقول أنه لا يمكن أن يكون حسنا في كل الأحوال ، فمثلا بيان الأحكام الشرعية في أي كلام بليغ لا يصح أن يكون سجعا ، ولكل مقام مقال كما يذكر علماء البلاغة . وخلاصة ما يقرره المثبتون للسجع في القرآن أنهم يعتمدون على ما يتلونه من اتحاد الحروف في مقاطع القرآن ، ويقررون مع ذلك أن سجع القرآن أعلى من كلام البشر ، فليس على شاكلة مثله في كلام الناس ، لأنه أعلى من كلام الناس . 126 - من هذه النقول التي نقلناها نجد الذين يقررون أن في القرآن سجعا يعتمدون : أولا - على نصوص القرآن التي ثبت فيها أن الفواصل المتحدة في الحروف كثيرة في القرآن . وثانيا - على أن السجع ليس عيبا في القول ، ولكنه من محسنات القول ، وقد وقع كثيرا في كلام العرب الجيد ، وأنه لم يكن سجع الكهان هو السائد فقط ، بل كان من بلغاء العرب من اتجه إلى السجع البليغ ، فقد روى عن أبي طالب عم النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لسيف بن ذي يزن : « أنبتك اللّه منبتا طابت أرومته ، وعزت جرثومته ، وثبت أصله ، وبسق فرعه ، ونبت زرعه في أكرم موطن ، وأطيب معدن » . وإن الذين نفوا السجع من القرآن قالوا إنه مذموم ، وعلى رأسهم الرماني ، وجاء من بعده أبو بكر الباقلاني ، فنهج ذلك المنهج وسار على ذلك الخط ، ونسبه إلى الأشاعرة ، فقال : « ذهب أصحابنا كلهم إلى نفى السجع في القرآن وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه » . وإذا كان الذين ردوا على الرماني قد بينوا أن السجع ليس مذموما على إطلاقه ، إنما المذموم منه سجع الكهان ، وما كان فيه اللفظ هو المقصود ، والمعنى تابع له . وقد أنكر الباقلاني أن يكون في القرآن سجع ، وما ادعوه من سجع فيه وساقوه ، هو وهم لا أساس له فقال : « والذين يقدرون أنه سجع هو وهم ، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع ، وإن لم يكن سجعا ، لأن ما يكون به الكلام سجعا ، يختص ببعض الوجوه دون بعض ،