محمد أبو زهرة
217
المعجزة الكبرى القرآن
ولكن الآن نتكلم في وجهة نظر الذين أثبتوا أن القرآن فيه سجع وإن كان أعلى مما يستطيعه الناس أو يزاولون . ومن هؤلاء أبو هلال العسكري في كتابه « الصناعتين » فهو يقول : « وجميع ما في القرآن مما يجرى على القرآن من التسجيع والازدواج مخالف في تمكين المعنى وصفاء اللفظ ، وتضمن التلاوة ، لما يجرى مجراه من كلام الخلق ، ألا ترى قوله عز اسمه : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ( 1 ) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً ( 2 ) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ( 3 ) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ( 4 ) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ( 5 ) [ العاديات : 1 - 5 ] . قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى من مثل قول الكاهن : « والسماء والأرض ، والقرض والفرض ، والغمر والبرض » ، ومثل هذا من السجع مذموم ، لما فيه من التكلف والتعسف ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للرجل الذي سأله : « أندى من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح فاستهل ، فمثل ذلك يطل : « أسجعا كسجع الكهان » . لأن التكلف في سجعهم فاش » ، ولو كرهه عليه الصلاة والسلام لكونه سجعا لقال : أسجعا ثم سكت ، وكيف يذمه ويكرهه ، وإذا سلم من التكلف ، وبرئ من التعسف لم يكن في جميع صنوف الكلام أحسن منه ، وقد جرى عليه من كلامه عليه السلام » . ونرى من هذا أن أبا هلال العسكري يخالف الرماني في أن السجع كله مذموم ، بل منه المذموم الذي يظهر فيه التكلف ، ويرهق الألفاظ والمعاني ، حتى يحاول القائل أن يكون كلامه رصا غير متماسك ببلاط من المعاني . ويرى أنه لا مانع من أن يوصف القرآن بأن فيه سجعا ، ولكنه سجع في أعلى مراتب الكلام ، بحيث لا يمكن أن يجاريه أحد ، ولا يصل إلى علوه أحد من الخلق . وابن سنان في كتابه سر البلاغة يسمى ما فيه المقاطع متحدة سجعا ولكن في درجة العلو القرآني الذي لا يستطيع أحد أن ينهد في كلامه إليه . ويسوق نصوصا قرآنية يعدها من السجع منه ما تلونا ، ومنه قوله تعالى : وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( 4 ) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) [ الفجر : 1 - 12 ] . ويقول ابن سنان أن نغم السجع كان مقصودا ، فقد حذفت الياء في يسر ، وحذفت الواو ، وذلك صحيح في اللغة ، ويقول : قصد إليه طلبا للموافقة في الفواصل .