محمد أبو زهرة
213
المعجزة الكبرى القرآن
وإن التلاؤم في ألفاظ القرآن الكريم وجمله وآياته ومواضع الوقف فيه ليس في المخارج فقط ، بل هو فيما هو أعلى من ذلك ، إنما هو في النغم ، وجرس القول وموسيقاه ، فلا تجد حرفا ينشز في موسيقاه عن أخيه ، ولا الكلمة عن أختها ، ولا الجملة عن لاحقتها ، والآية كلها تكون مؤتلفة النغم في الغرض الذي سيقت له ، فإن كان إنذارا كان النغم إرعادا ، وإن كان تبشيرا كان نسيما ، وإن كان عظة كان تنبيها ، وإن كان تفكيرا ، كان توجيها لافتا عما سواه ، وهكذا . وقد قال الرماني : « والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد أو قرب شديد ، وذلك يظهر بسهولته على اللسان ، وحسنه في الأسماع ، وتقبله في الطباع ، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام ، كما تظهر له أعلى طبقات الشعر من أدناها إذا تفاوت ما بينها . وقد عم التحدي للجميع لرفع الإشكال ، وجاء على الاعتبار بأنه لا تقع المعارضة لأجل الإعجاز فقال عز وجل : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) [ البقرة : 23 ] ، ثم قال سبحانه : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] ، فقطع بأنهم لن يفعلوا ، وقال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] ، ولما تعللوا بالعلم والمعاني التي فيه قال عز من قائل : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] فقد قامت الحجة على العربي والعجمي » . وإن هذا يدل على أن العجز لم يكن لأجل المعاني فقط ، وإن كانت معجزة في ذاتها ، ولكن التحدي كان بالألفاظ والأساليب ، لأنهم أمة بليغة ولكنها أمية . وقد أدركوا من أول الأمر ما في الألفاظ من جمال ، وما في تأليف القول من نسق وانسجام ، وما في جرسها من نغم ، ولما تورط بعض منهم في أن يحاكوا القرآن ، لم يكن اتجاههم إلا إلى النغم أرادوا محاكاته في نغمه فجاء كلامهم غثا ، ليس فيه نغم ولكن فيه ما يدل على إدراك سقيم . الفواصل 124 - يعرف الرماني الفواصل بأنها : حروف متشابكة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني ، ويقول : « الفواصل بلاغة والأسجاع عيب ؛ وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع ، فالمعانى تابعة لها ، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة ، إذ كان الغرض الذي هو حكمة إنما هو الإبانة عن المعاني التي إليها الحاجة ماسة ، فإذا كانت المشاكلة موصلة إليه فهو بلاغة ، وإذا كانت المشاكلة على خلاف ذلك فهو عيب