محمد أبو زهرة

214

المعجزة الكبرى القرآن

ولكنة ، لأنه تكلف من غير الوجه الذي توجبه الحكمة ، ومثله مثل من رصع تاجا ، ثم ألبسه زنجيا ساقطا ، أو نظم قلادة ، ثم ألبسها كلبا ، وقبح ذلك وعيبه بين لمن له أدنى فهم ، فمن ذلك ما يحكى عن بعض الكهان : « والأرض والسماء ، والغراب الواقعة بنقعاء ، لقد نفر المجد إلى العشراء » ، وهكذا نجد الرماني يفرق بين السجع والفاصلة ، بأن الفاصلة بلاغة ، وأن السجع عيب ، وأن الفواصل الألفاظ فيها تتبع المعاني ، والأسجاع الألفاظ فيها مقصودة ، والمعاني تابعة ، ويظهر أنه لم يكن بين يديه إلا سجع الكهان ، ولكن أكلّ السجع كذلك ، وألا يوجد سجع يزيد المعاني قوة ، وتكون فيه المعاني هي المتبوعة ، وليست تابعة ، وأن السجع يزيد المعاني ، ويعطيها قوة ويسهل قبولها ، ويكون بابا من أبواب تأكيدها . ولذلك خالف الرماني في ذلك كلام الذين كتبوا البلاغة من بعد ، وقبل أن نخوض فيما قالوه ، نقرر أن الفرق ، هو بين الفواصل والسجع ، إن الفواصل معناها أن تكون مقاطع الكلام متقاربة في الحروف كالنون والميم في قوله تعالى : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) ، وأما السجع فهو أن تكون المقاطع متحدة في الحروف ، ونلاحظ أن الرماني متأثر في فكرة السجع بسجع الكهان الذي قصد به اتحاد الحروف من غير نظر إلى المعنى ، ومن غير أن تكون المعاني في ذاتها ذات قيمة ، بل لا يقصدون ، إلا إلى رص الكلمات متحرين اتحاد المقاطع . وإنه عند التحقيق نجد أن الفواصل أعم من السجع ، فهي إما سجع تتحد فيه حروف المقاطع ، أو مجرد فواصل تتقارب فيها حروف المقاطع ، وذلك رأى ابن سنان في كتابه سر الفصاحة « 1 » فهو يقول : الفواصل على ضربين : ضرب يكون سجعا ، وهو ما تماثلت فيه حروفه في المقاطع ، وضرب لا يكون سجعا ، وهو ما تقابلت حروفه في المقاطع ، ولم تتماثل . ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين من أنه يأتي سهلا طوعا وتابعا للمعاني ، وبالضد من ذلك حين يكون متكلفا يتبعه المعنى ، فإن كان من القسم الأول فهو المحمود الدال على الفصاحة ، وحسن البيان ، وإن كان الثاني فهو مذموم . وإن هذا الكلام معناه أنه ليس في كل فاصلة تكون الألفاظ تابعة للمعاني ، فيكون الحسن والإفصاح والإحسان ، وليس في كل سجع تكون المعاني تابعة للألفاظ ، فيكون التكلف ، بل التعميم بالحسن في غير السجع والقبح في السجع هو الخطأ ، ولا شك أن فواصل القرآن كلها من البليغ الذي تكون فيه الألفاظ تابعة للمعاني . وأنه بلا ريب في القرآن مقاطع تتحد فيها الحروف ، ومقاطع أيضا لا تتحد فيها الحروف ، ولكن تتقارب ، ومن المقاطع التي تتحد فيها الحروف قوله تعالى في سورة

--> ( 1 ) سر الفصاحة ص 156 .