محمد أبو زهرة

196

المعجزة الكبرى القرآن

وقدمنا الاستعارة لأنها أشهر وأكثر في القرآن ، وأكثر تصويرا لمعاني البيان ، والصور البيانية القرآنية فيها أوضح ، وقد ضربنا على ذلك الأمثال ، وقصر عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز القول على الاستعارة وما يتبعها من تمثيل وضرب للأمثال ، فقد قال رضى اللّه تبارك وتعالى عنه : وأنا اقتصر هنا على ذكر ما هو أشهر منه ( أي من المجاز ) وأظهر ، والاسم والشهرة لشيئين الاستعارة والتمثيل ، وإنما يكون التمثيل مجازا إذا جاء على حد الاستعارة . فالاستعارة أن تريد تشبيه الشيء بالشئ ، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجىء إلى اسم المشبه به فتعتبره المشبه وتجريه عليه ، تريد أن تقول رأيت رجلا هو كالأسد ، في شجاعته وقوة بأسه سواء ، فتدع ذلك وتقول رأيت أسدا . وأما التمثيل الذي يكون مجازا لمجيئك به على حد الاستعارة فمثاله قوله في الرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه ، أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، فالأصل في هذا أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، ثم اختصر الكلام ، وجعل كأنه يقدم رجلا ويؤخر أخرى على الحقيقة . وكذلك نقول للرجل يعمل في غير معمل : أراك تنفخ في غير فحم ، وتخط على الماء ، فتجعله في ظاهر الأمر كأنه يخط ، والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك ، ويقول في الرجل يعمل الحيلة ، حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ، ويمتنع منه : ما زال يفتل له في الذروة والغارب ، حتى بلغ منه ما أراد ، فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان من فتل ذروة وغارب ، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب ، فيحكه ، ويفتل الشعر في ذروته وغاربه ، حتى يسكن ويستأنس ، وهو في المعنى مثل الرجل يقول فلان يقرد فلانا ، يعنى به أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذ لذلك ، فيسكن ويثبت في مكانه ، حتى يتمكن من أخذه ، وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه هذا التمثيل ، ثم لم يفصحوا بذلك ، وأخرجوا مخرجه ، وإن لم يريدوا تمثيلا . وإن الأمثال كلها من قبيل التمثيل ، وهو من باب الاستعارة ، كما قال عبد القاهر ذلك ؛ لأن الاستعارة ذات شعبتين ، إحداهما أن تكون في تشبيه شئ بشيء ، من غير أداة كتشبيه الرجل بالأسد ، وتشبيه شيوع الشيب في الرأس باستعار النار في وقودها ، والشعبة الثانية تشبيه حال بحال ، وهو التمثيل ، وهاتان الشعبتان تجريان في التشبيه الذي يكون بأداة التشبيه ، كما تكونان في الاستعارة ، إذ إنهما متلاقيان في المعنى والاختلاف في طريقة الأداء .