محمد أبو زهرة

197

المعجزة الكبرى القرآن

ومن الاستعارة التمثيلية ظهرت الأمثال التي تعد من جوامع الكلم ، فهي ليست إلا تشبيه حال بحال ، فهي تشبيه حال مضربها بحال موردها ، تقول العرب : « الصيف ضيعت اللبن » فموردها أن شيخا طلب يد فتاة فردتها لكبر سنه ، وكان الزمان صيفا ، ثم احتاجت من بعد إلى قدر من اللبن عنده ، فقال لها : « الصيف ضيعت اللبن » فصار مثلا ، يضرب لمن يرفض أمرا ، ثم يجيء يطلب شيئا ما كان يحتاج إليه لو لم يرفض . وهكذا ، والأمثال من أبلغ كلام العرب ، لأنها تؤدى معانيها في أوجز لفظ ، وأروع خيال . 115 - وإن عبد القاهر يعد طرق التعبير ثلاثة ، الحقيقة ، ويدخل فيها التشبيه على طريق علماء البلاغة ، وقد بينّا من قبل أننا نعد الحقيقة ما لا يدخل في عمومها التشبيه ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، والاختلاف لفظي . والثاني من طرق البيان المجاز ، وقد أشرنا إلى القول فيه . والثالث من الطرق الكناية ، ويعرف عبد القاهر الكناية بأنها : « أن يريد المتكلم إتيان معنى من المعاني ، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود ، فيؤتى به إليه ، ويجعله دليلا عليه ، مثال ذلك قولهم طويل النجاد ، ( أي طويل علاقة السيف ) يريدون طويل القامة ، وكثير الرماد يعنون كثير القرى ، وفي المرأة نئوم الضحى ، والمراد أنها مترفة مخدومة ، لها من يكفيها أمرها ، فقد أرادوا في هذا كله - كما ترى - معنى ، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به ، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر ، من شأنه أن يردفه في الوجود ، وأن يكون إذا كان ، أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد ، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر ، وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها ، ردف ذلك أن تنام إلى الضحى » . ويلاحظ في الكناية أنه لا مجاز في المعنى ، واللفظ على ظاهره بادي الرأي ، ولكن لا يراد ذلك الظاهر ، وإنما يراد لازمه وسماه عبد القادر رادفه . أي أنه يفهم تبعا له ، واللزوم ليس هو اللزوم العقلي دائما ، بل قد يكون في بعض الأحوال لزوما عاديا يجوز أن يختلف ، فمثلا طويل النجاد يلزم عقلا أن يكون طويل القامة ، ولكن كثير الرماد ، لا يلزم لزوما عقليا أن يكون كثير نار القدر ، فقد يكون وقود النار لغير القدر ، ونئوم الضحى قد تكون لأنها مترفة عندها من يقوم بحاجتها ، وقد يكون ذلك كسلا ، أو مرضا . . . إلى آخره ، ولكن الكثير في العادة أن يكون ذلك عن ترف . وقد ذكرنا في الماضي مكان المجاز ، بكل صوره في دلائل الإعجاز ، وقد ذكر عبد القاهر مكان الكناية في الكلام البليغ فقال رضى اللّه عنه : « قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح ، والتعريض أوقع من التصريح . . . إلا أن ذلك وإن كان