محمد أبو زهرة

187

المعجزة الكبرى القرآن

وهو أيضا قائم بذاته ، فإنه إذا كان الرعد يجعلون أصابعهم في آذانهم به ، فالبرق الذي يصحب الصيب شديد مفزع له بريق يكاد يخطف أبصارهم ، ولكن كان هو تشبيها لحالهم ، وهي أن المنافق متردد دائما . فالبريق يضيء لهم فيمشون فيه ، ولكن سرعان ما تظلم عليهم نفوسهم فيقيمون حيث هم من نفاق ، ويختم اللّه تعالى النص القرآني في هذا التشبيه المحكم ببيان قدرة اللّه تعالى وسيطرته عليهم ، وأنه سبحانه لو شاء لأفقدهم سمعهم وبصرهم حقيقة ، كما فقدوا سماع الحق استماع إنصات ، وإدراكه إدراك طالب للحقيقة . والتشبيه في هذا المثل كسابقه ، تشبيه تمثيلى ، إنه شبه حالهم في ضعف نفوسهم والبلبال المسيطر عليهم واضطراب أحوالهم بحال قوم أصابهم مطر لم يكن غيثا منقذا ، بل مرهبا ومفزعا ، فكانوا في خوف واضطراب من غمام مظلم ، وريح عاصف ، ورعد قاصف ، وبريق خاطف ، وصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت ، فهو تصوير لضعفهم ، وفي التشبيه الثاني الذي هو فرع بالنسبة لما قبله ، تصوير لفزعهم من البرق ، وتصوير لكون أسباب الهداية بين أيديهم ، وهي في ذاتها مضيئة ، ولكنها تظلم عليهم فيقيمون على نفاقهم ، ويستمرون في غيهم ، واللّه قاهر فوقهم ، لو شاء اللّه لذهب بسمعهم وأبصارهم . 110 - وقبل أن نغادر الكلام في التشبيه إلى الاستعارة ، وهي لون من ألوانه لا بد أن نشير إلى أمور ثلاثة : أولها - أن التشبيه بلا شك من أسرار الإعجاز ، ويعده الباقلاني من أسباب الإعجاز ، ولكن يعد الكلام في القرآن من غير مجاز ولا تشبيه بأي لون من ألوانه معجزا بلغ ذروة البلاغة من غير أن تعرف سببا واضحا يدرس على أساسه ، وتتعرف أسرار البلاغة فيه من إشعاعه ، وليس معنى ذلك أن الإعجاز ليس بيانيا ، بل هو بيانى ، ويبدو ذلك في تساوق المعاني ، وأخذ الألفاظ بعضها بحجز بعض في إحكام قول ونغم ورنين يكون أحيانا شديدا يصك آذان المنذرين ، وأحيانا كأنه نسيم عليل يحيى النفوس ويشفى أسقام القلوب ، وأحيانا يكون وصفا عميقا لخواطر النفوس ، وما يستكن في القلوب ، وهذه هي البلاغة في القرآن التي تعلو عن أن توضحها الأفهام كما يرى ضوء الشمس ولا يعرف كنهه ، وكما تحس بالحرارة الدافئة ، ولا تعرف ماهيتها ، واللّه على كل شئ قدير . الأمر الثاني - أن تشبيهات القرآن أيا كان وجهها صور بيانية ، تتضح منها الحقائق الظاهرة ، والمعاني العاطفة ، كأنها أمور محسوسة مرئية ، فإذا كان التشبيه بأمر محسوس كانت الصورة البيانية كأنها مرئية واضحة ، فالتشبيه الأول من تشبيهات المنافقين تقرؤه كأنك ترى رأى العين رجلا استوقد نارا ، والسين والتاء للطلب ، وهما يدلان على أنه