محمد أبو زهرة
188
المعجزة الكبرى القرآن
بذل مجهودا في طلب الضوء ، وعالج الأمور في طلب الوقود ، حتى وصل إليه بجهد ومشقة ، ولكن ما أن أضاء حتى ثبت أنه لم يكن في الضوء فائدة له ، فلم ير النور الذي طلبه ، وأصم أذنه عن الحق ، وانقبض لسانه فلم ينطق بحق ، والبيان القرآني الكريم صور ذلك كأنك تراه لا تقرؤه ، تعالت كلمات اللّه . والتشبيه بما تضمن من تشبيه في آخره ، يريك صورة الضعف ، وما يحدثه النفاق في النفوس من ضعف يجعلها تطير حول كل مطار ، ولا تطمئن على قرار ، فهي تسير برعونة نحو المطامع ، وتستخذى وتذل أمام المفازع ، وقد شبههم بقوم نزل عليهم مطر ينصب انصبابا ، والظلمات قد صارت كسقف مرفوع فوقهم ، والرعد بهزيمه يزعجهم ، والبرق يخطف أبصارهم ، وذلك تصوير كأنه المرئى ، وتبيين لمعنى الخوف والاضطراب الذي يسكن قلوبهم ، ويجعلهم بين خوف يؤرقهم ، ومطامع تحركهم ، والشر يحوط بهم في كل أحوالهم . الأمر الثالث : الذي نجده في تشبيهات القرآن أننا نجده يقرب المعاني ، ويأخذ من التشبيهات الأدلة المفرقة بين الحق والباطل ، اقرأ قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) [ النحل : 75 ، 76 ] . ونرى أن التشبيه الأول من قبيل التمثيل ، وهو تشبيه حال من يعبد الأصنام إذ يسوى بينها وبين الخلاق العليم - بحال من يجعل العبد المملوك الذي لا يقدر على شئ ، بحال من رزقه اللّه تعالى رزقا حسنا ، وهما لا يستويان حالا وشأنا ، والنتيجة لا يستوى صنم لا يقدر على شئ باللّه تعالى الذي يملك الوجود كله ، وهو على كل شئ قدير . وفي التشبيه الثاني كان التشبيه بين حال المشركين في تسويتهم بين اللّه القادر ، والحجر الذي لا يضر ولا ينفع ، وحال من يسوى بين رجل أبكم وهو كل ، وبين رجل ينطق بالحكم ويقيم العدل لا يستويان ، فلا تصح عبادة الأوثان وتسويتها باللّه . وإن اللّه سبحانه وتعالى يقرب الحقائق بين قوم حسيين بالمحسوسات ، يضرب الأمثال بالتشبيهات لتقريب الحقائق ، وتوضيح الأدلة بما يقربها ، ولو كان ذلك بالأشياء التي يستحقرها المشركون ، وهي في ذاتها ليست بحقيرة ولكنها جليلة ، لأنها من خلق اللّه تعالى ، ولقد قال اللّه تعالى في ذلك : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً