محمد أبو زهرة
163
المعجزة الكبرى القرآن
من خلفه ، وإنه بديع في نسقه ، في أعلى درجات الإبداع ، وإنه كما قال الكافر الذي سمعه يعلو ، ولا يعلى عليه ، وأنه ذو القطوف الدانية ، والجمال دائما . 97 - ومن الاستفهام ما يكون تقريرا للواقع ، وذلك يكون في الحال التي تستوجب العجب ، أو توجب الاستنكار ، إذ يكون الواقع المقرر مستنكرا ، لأنه ليس من صنيع أهل الإيمان ، ولا مما تستسيغه الفطرة السليمة ، أو تستحسنه الأخلاق الحكيمة ، اقرأ قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ( 1 ) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ( 2 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 3 ) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ( 6 ) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ( 7 ) [ الماعون : 1 - 7 ] . وإن هذا الاستفهام التقريرى الذي يؤكد الرؤية العالمة من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإن معنى أرأيت ، لقد رأيت الذين يكذبون بالدين ، وأن مجىء العبارة بطريق الاستفهام فيه تأكيد لمعنى الرؤية لأولئك الذين اتصفوا بهذه الصفات الغريبة التي تتماسك فيها كل صفة مع أختها ، كأنها ملازمة لها لا تفترق عنها ، وكأنها منها ، فالتكذيب بالدين هو صفة الجاحدين ، لا يؤمنون بالحق ولا يهتدون بهديه ، وأولئك دأبهم النفرة من الناس ، وألا تكون فيهم رحمة بالضعيف ، فهم يقهرون اليتيم ويذلونه ، ويرهقون ، ويمنعون كل عون ، إذ يمنعون الزكوات التي هي عون الأقوياء للضعفاء ، وهم لا يتذكرون ربهم ، ولا يدنون منه ، حتى في الصلاة ، وصلاتهم ويل عليهم ، وليست قربة لهم ، وهي محسوبة عليهم على أنها من السيئات ، ولا تحسب لهم على أنها من القربات ، وهم في أعمالهم يراءون ، والرباء شرك خفى ، ومن تصدق يرائي فقد أشرك ، ومن صام يرائي فقد أشرك . وإن موضع الاستفهام هنا لا يغنى عنه التقرير المجرد ؛ لأن مؤدى الاستفهام أن المخاطب قد سئل عن الرؤية مثلا ، فأجاب عنها بالإيجاب ، فكان تقرير الواقعة بإقرار من المسؤول ، فهو تقرير معه التصديق وهو مع ذلك تنبيه إلى الصفات المرذولة التي اتصف بها أولئك الجاحدون بأصل الدين ، من قهر اليتيم ، ومنع المسكين ، والصلاة الساهية عن معنى القرب إلى اللّه تعالى وهم يراءون الناس ويمنعون كل عون حقيقي . ومن الاستفهام التقريرى الذي يثير الانتباه إلى الحقائق التي يتضمنها قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) [ الأنعام : 46 ، 47 ] . إن هذه الآيات الكريمات فيها عدة استفهامات أولها تقريرى ، وهو تقرير الرؤية كأنهم سئلوا عنها ، فأجابوا بالإيجاب ، فكان التقرير مؤيدا بالإقرار ، وكان حكما مؤيدا