محمد أبو زهرة
164
المعجزة الكبرى القرآن
بالدليل ، وهو الإقرار سلطان الأدلة ، والاستفهام كان موضع الاستفهام الأول ، وهو قوله تعالى : إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ وهو استفهام في معنى النفي ، فهو إنكاري ، أي أنه لا إله غير اللّه يأتيكم ، فهو يتضمن مع النفي إقرارا من السامعين بأنه لا إله غيره ، وإثارة العجب ممن لا يقرون بهذه الحقيقة فهي موضع البرهان ، وقد تضمن النص الكريم استفهاما ثالثا لتوجيه النظر إلى ما يصرفه القرآن من أدلة مختلفة ، وذلك الاستفهام توجيهى تنبيهي تقريرى ، وهو قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ فقوله كيف نصرف الآيات فيه توجيه النظر إلى تصريفه للآيات ، وجاء بصيغة الاستفهام لتصوير التصريف في الآيات التي أنزلها اللّه تعالى ، أو كانت في الكون ، وما كان ذلك التصور لها ليتحقق إذا لم تكن الدعوة إلى النظر ، ثم الاستفهام الذي يأخذ النظر ليضعه على ذلك التصريف ، ثم كان الاستفهام متضمنا معنى الاستنكار لحالهم ، إذ إنهم مع تصريف الآيات وجعلها في صورها جديدة تسترعى الالتفات والاتجاه إلى إدراكها والتنبه لها ، ومع ذلك - لكثرة جحودهم ولجاجة الباطل في نفوسهم - يعرضون ، ولا تستولى على نفوسهم ، كشأن الفكرة المجددة ، فإنها تسترعى الأفهام وتأخذ بالألباب ، ولكنهم عموا ، فلا يجديهم تصريف ، ولا يأخذ بألبابهم تجديد الأسلوب لأنهم معرضون ، إنك لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين . وفي النص استفهام تقريرى على منهاج لا يعرف إلا في القرآن ، فإني لم أقرأ كثيرا في غير القرآن ذلك المنهاج الاستفهامى إذ يقول سبحانه : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) [ الأنعام : 47 ] فالتعبير في الاستفهام - أرأيتكم - ليس مشهورا في الأساليب العربية ، ونجد هنا الخطاب تكرر فيه ، فالتاء المفتوحة خطاب ، والكاف خطاب ، والتاء خطاب للمفرد ، والكاف خطاب للجمع ، والتاء متجهة إلى مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والكاف متجهة إلى خطاب الجمع ، فاجتمع خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وخطاب الجماعة ؛ وذلك لأن في الاستفهام تقريرا لرؤية النبي صلى اللّه عليه وسلم وتقريرا لرؤية كل المخاطبين بالقرآن الكريم ، وكان لا بد لاجتماع الخطابين ، خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ليقرر الواقع وهو علمه عليه السلام ، وتقرير الحقيقة الثابتة للناس أجمعين ، وهي أن عذاب اللّه الذي يجيء بغتة في خفاء ، أو جهرة في وضح النهار لا يهلك إلا القوم الظالمون ؛ فهو جاء لأجلهم منصبا عليهم ، وهنا أمران يجب التنبيه إليهما . أولهما : أن الزمخشري ، ومن حاكاه ، كالبيضاوى وغيره قالوا : إن الكاف حرف لتأكيد الخطاب لا موضع لها من الإعراب فهي ليست ضميرا ، ولكنها من الحروف التي تبنى على غير محل من الإعراب ، وحجتهم أن رأى استوفت المفعولين من غير تقدير