محمد أبو زهرة

158

المعجزة الكبرى القرآن

باختلاف نغمها ما لا تؤديه مثيلاتها مما هو في موضوعها ، وإن النغمات القرآنية التي تتخالف أحيانا تكون كل نغمة في مقامها تومئ بموسيقاها إلى إشارة لا تومئ إليها نغمة أخرى لآية في هذا الموضوع نفسه . ولنضرب في ذلك بعض الأمثال في الاختلاف في الأسلوب ، والموضوع واحد ، وتغير المعاني قوة ورفقا ، وكل فيما يناسبه . الاستفهام والنفي 93 - لا شك أن النفي المجرد والنفي بطريق الاستفهام ، كلاهما يدل على أصل النفي ، ولكن النفي بطريق الاستفهام أقوى دلالة في معنى النفي ؛ لأن النفي بالاستفهام فيه معنى أن المخاطب سبق إلى النفي ، فكان النفي من القائل ، والإقرار به من المخاطب ، اقرأ قوله تعالى في ادعاء المشركين أن اللّه تعالى حرم بعض الأطعمة ، فنفى اللّه سبحانه وتعالى ذلك بقوله : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ( 148 ) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 150 ) [ الأنعام : 148 - 150 ] . ألا ترى أن هذا الاستفهام للنفي ، إذ المعنى الجملي : ما عندكم من علم بأن اللّه تعالى حرم عليكم ، إن أنتم إلا تخرصون . تتوهمون ما ليس له حقيقة واقعة . ولا شك أن المجيء بصورة استفهام فيه مزيتان إحداهما تنبيه إلى أنه كان يجب عليهم قبل أن يعتقدوا أن يتعرفوا الدليل الذي يسوغ لهم العلم حتى لا يقولوا على اللّه ما لا يعلمون . والثانية : أن في الاستفهام حملا لهم على أن يقروا بالنفي ، وفوق ذلك كله فإن سياق الكلام فيه توبيخ لهم لأنهم بنوا عقائدهم على أمور باطلة ، لا أساس لها من حق ولا علم ، وأن هذا نوع من الاستفهام الذي يراد به النفي يعبر عنه علماء البلاغة بأنه استفهام إنكاري ؛ لإنكار وقوع موضع الإنكار ، وهناك إنكار يقال له إنكار الواقع ، وهو يكون في معنى التوبيخ على ما وقع على أنه لا أصل له . اقرأ قوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] ، وهذا إنكار لما وقع منهم ، وإنكار الواقع توبيخ ؛ ذلك لأن المشركين كانوا يوجبون الطواف عراة ، وكانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، واللّه سبحانه وتعالى نفى ذلك التحريم الواقع منهم بهذه الصيغة قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي