محمد أبو زهرة
159
المعجزة الكبرى القرآن
أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ والنفي بصيغة هذا الاستفهام فيه مبالغة ؛ لأن فيه إشارة إلى أنه لا يسوغ لعاقل أن يكون منه ذلك التحريم ، لأنه عمل غير معقول في ذاته ، إذ المؤدى : لا أحد حرم زينة اللّه من لباس ساتر ، ولا أحد يحرم طيبات الرزق التي لا خبث فيها من حيث الحقيقة ، ولا من حيث المعنى ، ما دام طريق الكسب طيبا ، وأن اللّه لا يأمر إلا بالقسط الذي يتفق مع الفطرة ، ولذا قال تعالى من بعد ذلك : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) [ الأعراف : 33 ] . وقال سبحانه من قبل هذه الآيات : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) [ الأعراف : 29 - 31 ] . 94 - وقد ذكر عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز الحكمة في سبب تسمية الاستفهام بالإنكارى ، سواء أكان لإنكار الوقوع بمعنى النفي أم لإنكار الواقع ، بمعنى التوبيخ ، فقال رضى اللّه تعالى عنه : « واعلم أننا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا الإنكار بالنفي ، فإن الذي هو محض المعنى أنه ليتبين السامع ، حتى يرجع إلى نفسه ، فيخجل ويرتدع ، ويبين الجواب ، إما لأنه قد ادعى القدرة على ما فعل ما لا يقدر عليه ، فإذا ثبت على دعواه قيل له فافعل فيفضحه ذلك ، وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله ، فإذا روجع فيه تنبه ، وعرف الخطأ ، وإما لأنه جوز وجود أمر لا يجوز مثله ، فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته وقيل له : فأرناه في موضع وفي حال ، وأقم شاهدا على أنه كان في وقت . ولو كان يكون للإنكار ، وكان المعنى فيه من بدء الأمر لكان ينبغي ألا يجيء فيما يقوله عاقل : إنه يكون حتى ينكر عليه ، كقولهم أتصعد بي إلى السماء ، أتستطيع أن تنقل الجبال ، أإلى رد ما قضى من سبيل » . ومؤدى هذا الكلام أن الإنكار إذا كان نفيا لوقوع أمر ، فمؤداه أن الأمر لا يقع ، ولا يعقل أن يقع ، فهو نفى مؤكد ، إذ هو ليس نفيا للفعل فقط ، بل هو نفى له مع بيان أنه لا ينبغي ولا يجوز أن يقع ، وإذا كان الفعل قد وقع فهو توبيخ على الوقوع ، واستنكار له ، كما رأيت في قوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] ، ويلاحظ أن الإنكار سواء أكان إنكارا للوقوع بمعنى النفي