محمد أبو زهرة
138
المعجزة الكبرى القرآن
وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) [ المائدة : 20 - 26 ] . هذا نص القرآن الكريم في قصة جبن اليهود وتخاذلهم عن أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه سبحانه وتعالى عليهم أن يدخلوها ، ويجب أن ننبه هنا أن المراد أن اللّه تعالى كتب عليهم أن يدخلوها ، لا أنه كتبها لهم ملكا دائما مستمرا باقيا ، يطالبون بحقه ، وأن ذلك هو مفهوم الكتابة ، ويستفاد من النص الكريم ذلك ، أن النص الكريم ليس فيه أنه كتبها لهم ، بل كتب فقط عليهم أن يدخلوها ، إذ يقول سبحانه عن طلب موسى منهم الدخول : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، فالكتابة التي فرضها اللّه تعالى هي الدخول وهو واجب وليس بحق ، فلم يكتب لهم أرضا ، بل فرض عليهم أمرا بدليل عودة الضمير على الدخول المكتوب لا على الأرض . وإن منطق الحوادث يوجب عليهم أن يدخلوها ، ليقيموا فيها شعائر الموسوية ، إذ إنهم خرجوا من مصر لعدم صلاحيتها لأن تقوم فيها شرائع موسى ، كما لم تصلح مكة لأن تكون موطن الشرع الإسلامي إلا بعد تحطيم الأوثان ، وأن يمنع المشركون من دخولها ، لأنهم نجس لا يدخلون المسجد الحرام بعد عامهم . وإن دخولهم فيها كان لأجل إقامة التوراة فيها ، وجعلها الحكم الذي لا ترد حكومته ، وما كانت لذواتهم ، فلم تكن لأنهم بنو إسرائيل ، بحيث يكون الاستحقاق ذاتيا ، أو ميراثا يرثه الأخلاف عن الأسلاف ، وقد انتهى عهد موسى ، وانتهى شرعه ، وحالت أحوالهم وتغيرت أمورهم وليست الأرض ميراثا يؤخذ . إنما الأمر هو الدخول لإقامة الشريعة الموسوية ، وقد نسخت بشريعة محمد ، فصارت الخلافة النبوية إلى محمد خاتم النبيين ، فقومه الذين يقيمون شرع اللّه هم أهلها ، والذين يجب عليهم أن يدخلوها آمنين مطمئنين ، فليست أرض اللّه ميراثا يورث للذوات ، إنما هي مقام الشرع الناسخ لا المنسوخ . ويلاحظ من بعد ذلك أمور ثلاثة قد أشارت إليها الآيات الكريمات : أولها - أن الاسترخاء والضعف النفسي قد أصابهم بسبب ترفهم أولا ، واستضعافهم ثانيا ، وطغيان فرعون في حكمهم ثالثا ، وبأنهم حرموا حب الفداء ، وإذا حرم قوم حب الفداء هانت عليهم أنفسهم ورزقوا الوهن ؛ وكذلك بنو إسرائيل ، فقد خافوا من غير مخوف ، وماتت فيهم النخوة ، كما تدل الآيات الكريمات .