محمد أبو زهرة
139
المعجزة الكبرى القرآن
وثانيها - أن ضعفهم أفقدهم قوة الإيمان ، والشك في حكم الديان حتى أنهم ليقولون لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . وذلك تهكم يدل على وهن إيمانهم ، كما وهنت نفوسهم . وثالثها - أن الأمم لا تتربى إلا بتعود خشونة العيش ، كما تعودت نعومته ، وأن تذوق جشبه كما ذاقت حلاوته ، ولذلك بين اللّه سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه تعالى عليهم أن يدخلوها فقال سبحانه : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ . وهذا كما يبدو من الآية تحريم كونى ، أي أنه لا يمكن أن يستطيعوا الدخول إلى الأرض المقدسة مقاتلين مجاهدين إلا بعد أن يذهب عنهم ذل الوهن ، ويأتي جيل جديد قد ذاق طعم الشدة ، وعلم الحياة نضالا ، ولم يعلمها استكانة وضعفا ، والتقدير بالأربعين ، لا أحسب أنه يقصد به العدد ولكن يقصد به الكثرة التي تنشئ جيلا تربى في شظف العيش وصلابة الحياة وقسوتها . ولقد أخذ هذه الحقيقة القرآنية ابن خلدون ، وجعل أساس قوة الأمم شدة الحياة وصلابتها ، فإنها إذا استرخت أدال اللّه منها بقوم أولى بأس شديد تربوا في البداوة ، وذاقوا بأساءها . 2 - قصص القرآن لون من تصريف بيانه 83 - ذكرنا أن البيان القرآني فيه تصريف القول على ألوان متعددة متباينة في حقيقتها متلاقية في غايتها ، ولا يمكن أن يكون لكلام بشر مع سمو البلاغة ، وبلوغها المقام الذي لا يناصى في كل أصنافها ، بل لا يمكن أن يبلغ الغاية في صنف واحد من أصنافها ، وقد ذكرنا ما في القرآن من إطناب من غير تكرار ، وذكرنا ما يتوهم فيه التكرار في القصص وبينا أنه لا تكرار يعد ترديدا ولو على سبيل التوكيد ، وما يتوهم فيه التكرار إنما هو تجديد المعنى لغاية أخرى ومقصد آخر ، وكان الذكر لما يتوهم تكراره فيه كمال المعنى ، ولا يمكن أن يستغنى القول عنه ، إنما التكرار المردود يكون فيما لو حذف المتوهم تكراره ما نقصت الغاية ، وما اختل بيان المقصد ، وتكرار القرآن ليس على هذا بل هو تكميل لا بد منه ، وتتميم لا يستغنى عنه ، وذلك يكون في القصص ، وفي الاستدلال بآيات اللّه تعالى الكونية ، على وحدة من خلق وكون وأبدع ، وقد ضربنا على ذلك الأمثال . والآن نذكر القصص القرآني على أنه لون من تصريف البيان القرآني ، وتغير أشكاله كما ذكر اللّه تعالى في القرآن : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ .