محمد أبو زهرة

137

المعجزة الكبرى القرآن

وإن اللّه تعالى يأمرهم بيوم السبت لكي يكون لهم راحة واستجماما ، وأن يبتعدوا فيه عن المادة ويعكفوا على أنفسهم يهذبونها ويفطمونها عن دواعي المادة ، فيذهب شرههم المادي ، ورغبتهم في طلب المادة إلى أن يعملوا فيه شرها وطمعا فيمسخ اللّه تعالى نفوسهم قردة تنزو مثلها ، وخنازير تطلب الخسائس طلبها . « إن اللّه تعالى يختبرهم في إيمانهم بأن يذبحوا بقرة ، ولكنهم تأثرا بالمصريين وما كانوا عليه من عبادة العجل ، يترددون في ذبح البقرة فيجادلون في ذبحها متجاهلين أمرها ، ولو أتوا إلى أي بقرة فذبحوها لكان في ذلك الاستجابة الكاملة ، ولكنهم يثيرون الريب حول الطلب ، سألوا عن حقيقتها ، وعن كونها صغيرة أو كبيرة ، فأجيبوا ، ثم سألوا عن لونها ، فأجيبوا ، ثم سألوا عن كونها متخذة معلوفة للنماء والتوالد ، أم هي ذلول عاملة ، فذبحوها وما كادوا يفعلون تقليدا للمصريين وتأثرا بأفكارهم ، وأوهامهم في دينهم » . هذه قصة بني إسرائيل في تلقيهم لأوامر اللّه تعالى ، وما جاء القرآن خاصا بهم في عهد موسى عليه الصلاة والسلام فهو لمقاصد أخرى من أجزاء القصة كما ذكرنا في قصة موسى ذاته . بنو إسرائيل والأرض المقدسة 82 - لم يكن بنو إسرائيل في عهد موسى إلا قوما أذلهم الخضوع وضربت عليهم الذلة ، وأرمضتهم الطاعة الذليلة التي كانت رقا أو ما يشبهه ، وقد بدا ضعف نفوسهم في عهد موسى ، فقد أراد أن يدخل بهم الأرض المقدسة ، فضعفوا ووهنوا ، وتلمسوا لأنفسهم المعاذير ، وما هي إلا معاذير المستكين المؤثر للاستكانة ، والرضا من الحياة بأدناها . طلب منهم موسى أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه لهم أن يدخلوها ، ولنسمع إلى كتاب اللّه تعالى يحكى حالهم من الجبن والخنوع والذل . قال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 ) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 21 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 ) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي