محمد أبو زهرة
133
المعجزة الكبرى القرآن
وثانيتها : أن الذين آمنوا من الشعب عدد لا يكوّن كثرة تهز ملك فرعون ، وإذا كانوا كثرة لم يذكروا مع فرعون لأنهم فريسته ، فلم ينصروا بكثرتهم دعوة موسى ، وكانوا كشأنهم فيما يتعلق بملوكهم إن خالفوا الحق نافق منهم من ينافق ، وتملق من يتملق ، والشعب وقف موقف النظارة ، ولذلك كانت الهجرة إذ قل النصير المؤيد ، وكثر العدو المناهض . وثالثتها : أن اللّه تعالى أجرى على يد موسى معجزات تتصل بمصر الزراعية كما ذكر في سورة الأعراف ، ولقد ذكر في السورة موسى وفرعون ، وذكرت هنا كما ذكرت في غيره العصا والسحرة ، وكررت لأنها المعجزة الكبرى التي تحدى بها ، كما كان القرآن الكريم يذكر كثيرا في القرآن لأنه المعجزة الكبرى التي جاء بها محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فقد اختبر اللّه تعالى آل فرعون بمعجزات زراعية تتعلق بالزرع والضرع ، فقال تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 131 ) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 134 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 135 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 136 ) [ الأعراف : 130 - 136 ] . وهكذا توالت المعجزات حتى بلغت تسعا ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 ) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 105 ) [ الإسراء : 101 - 105 ] . هذه قصة موسى مع فرعون ومع أهل مصر قد ذكرنا جزءا منها ، وهي في فصول متعددة من أجزاء القرآن الكريم ، ونلاحظ مع بلاغة القصص وقوة تأثيره الذي قد نتكلم عليه من بعد ، أنه لا تكرار في جزء من القصة فلا يكرر جزء بمعناه في آيات واحدة ، بل يذكر أيضا بمعناه في آيات أخرى ، وأن كل جزء من القصة في معناه وجزئياته وغاياته ومراميه إلى مقصد ، بل لكل جزء معنى سيق له لم يسق له غيره ، وإذا كانت