محمد أبو زهرة
134
المعجزة الكبرى القرآن
بعض العبارات أو المعاني تكررت ، فإن ذلك لبيان المقصد الأصلي من الجزء ، فمثلا رأينا في لقاء موسى لفرعون أنه ذكرت عبارات النعم وهو رضيع ، وكيف سهل اللّه سبيل العيش الرغيد ، ليبين له سبحانه أنه معه في لقاء فرعون ، كما كان مع أمه في إلقائه في اليم ، ليلقى فرعون وهو رابط الجأش ، وهكذا نجد تكرار بعض المعاني ، لأنها ذكرت في موضعها الأول مقصودة ، وذكرت في موضعها الثاني تمهيدا لقصده ، وتثبيتا لمغزاه ، فالتكرار لم يكن لمجرد التكرار ، بل هو تجديد للمعاني ، ليس ترديدا ، والفرق بين التجديد ومجرد الترديد أن الترديد يكون تكرارا لا غاية لها ، أو يكون لمجرد التوكيد ، أما التجديد في تكرار اللفظ فإنه يكون لغاية بعده لا تتم إلا به . موسى مع بني إسرائيل 81 - لقد قسمت قصة موسى في القرآن إلى قسمين : أحدهما ما كان وهو في مصر يجاهد فرعون ويجالده ، وقد أشرنا فيه إلى أنه لم يكن تكرارا إلا لتجديد الأمر ، إذ يكون تمهيدا للمقصد من الجزء لا يتم البيان إلا به ، أو هو مقدمة يتلوها الجزء الذي سيق له القول ، وكان لقصد غير الأول . أما القسم الثاني فهو ما كان بعد الهجرة إلى الطور ، وصار موسى مع بني إسرائيل ، وقد خلصوا من فرعون وجنده ، وفي هذا القسم تلقى الألواح وعلم التوراة ، ولاقى المرارة فيها من بني إسرائيل وضعفهم وتقليدهم كما لاقى من قبل الجهاد مع فرعون . وفي قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام يتبين ما يكون عليه قوم قد مردوا على الخنوع ، وضعفت فيهم النفوس ، واستمرءوا الهون من الحياة ، ورضوا بالمكان الدون واستقروا فيه « 1 » . انتقل بهم موسى عليه السلام إلى الطور ، فأرسل اللّه لهم السلوى والمن طعاما ، وأظل اللّه تعالى عليهم بالغمام حتى لا تلفحهم شمس الصحراء ، ثم توالت عليهم النعم ، وتوالت خوارق العادات ، ولقد ذكرت الآيات القرآنية في أول سورة البقرة بعض أخبارهم ، فقال تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ
--> ( 1 ) هو تفضيل نسبى . وليس تفضيلا ذاتيا ؛ وذلك لأن اللّه اختارهم بقيادة موسى لمقاومة فرعون ، ولأنه فضلهم واختار بعض الأنبياء منهم ، وقد عصوا فأنكروا نعمة اللّه فاستحقوا سخطه .