محمد أبو زهرة
128
المعجزة الكبرى القرآن
عندئذ يحس الطيب الأمين الذي أراد اللّه تعالى له أن يكون من المصطفين الأخيار ، بأنه صار في خطر أن يبطش به فرعون وأعوانه ، وقد جاء النذير بذلك : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 ) . [ القصص : 20 ، 21 ] خرج من المدائن إلى حيث الأمن والاستقرار ، خرج إلى الصحراء ، حيث السماء الصافية ، والنور المشرق ، فتوجه تلقاء مدين ، وارتبطت حاله بشعيب كبير مدين ، وخاطبه اللّه تعالى من وراء الشجرة ، وقد آنس نارا ذهب ليصطلى هو وأهله بها ، فهداه اللّه تعالى ، وبعثه إلى فرعون وقومه ليلقى الطاغي الأول في العالم . وأعطى المعجزة الأولى ، وكانت لأن اللّه تعالى يخاطبه ، وقد قال اللّه تعالى لما أتى إلى جذوة النار : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 ) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 ) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) [ القصص : 30 - 40 ] . إلى هنا بيّن القرآن حياة الكليم عليه السلام من وقت أن نشأ رضيعا ، وكيف كلأته عناية اللّه تعالى ، وهو يتدرج ، حتى صار شابا سويا ، قادرا ، ورأى الظلم عيانا ، وصقلته الحاجة الشديدة حتى صاح ضارعا إلى ربه إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فصار من تربى في ترف فرعون في حاجة إلى عيش الكفاف ، ووجده في أن يكون أجيرا لشعيب بمهر إحدى ابنتيه ، فالتقى فيه ترف النعمة ابتداء حتى زهد فيه ، لما تأشب حياته فيه من إحساس مرير بالظلم فأقبل على الشعب يعيش في وسطه عيشا مريرا ، ولكنه هنيء ، وحياة لاغبة ، ولكنها في راحة الضمير والوجدان .