محمد أبو زهرة
129
المعجزة الكبرى القرآن
عندئذ بدت إرهاص النبوة ، ثم كانت الرسالة ، وشعر بشدة التكليف ، لأنه سيكون في مواجهة فرعون الذي قتل من قومه نفسا ، والتقى فرعون بطغوائه ، وجهله فحسب أن اللّه في السماء الدنيا ، وأراد أن يتخذ الأسباب للارتفاع إليه ، ومع جهله بالحقائق الإلهية استكبر هو وجنده ، فكأن الجند في جانبه ، والشعب ليس في جانبه ، أو هو مغلوب على أمره لا يحرك ساكنا حيث يجب أن يتحرك ، ولا يدفع ظلما يجب أن يدفع ، ثم نزل العقاب بفرعون وجنده ، فألقوا في البحر . هذه قصة موسى رضيعا ، فشابا قويا ، فأجيرا فتيا ، فمبعوثا نبيا ، فمجاهدا مجالدا ، حتى أدال اللّه تعالى من الطاغي المتغطرس . 78 - جاء بعد هذا الإجمال تفصيل لما ذكر بالإجمال من الوقائع ، وكان في التفصيل ذكر للنعم التي أنعم اللّه بها على موسى . وأول تفصيل كان في ذكر التأهب للقاء فرعون ، فقد توقع أنه سيلقى عنتا ، وما ذكر من بعض التكرار فلأنه لا بد منه ليقوى موسى على اللقاء ، وليذكر بالنعم التي أنقذته سابقا ، ليعلم أن اللّه تعالى معه ومؤيده ومنقذه ، ذكره بنعمه عليه رضيعا ثم كيف ابتدأ التكليف ، ثم كيف استعان بأخيه ، ثم كيف استعد للقاء الرهيب ، إذ قال : قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( 34 ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ( 35 ) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ( 36 ) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ( 37 ) [ طه : 25 - 37 ] ، ثم ذكره بعظم مننه السابقة ليتأكد أن اللّه تعالى مؤيده بنصره ، وليعلم أنه مهما يكن أمر فرعون ، فإن اللّه تعالى لن يمكنه منهما . ثم جاء التكليف بالرسالة ومخاطبة فرعون نتيجة للآيات التي ذكرها أولا ، ثم ذكرها ثانيا ليربط التكليف بها ، وهذا نص التكليف الخطير : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ( 44 ) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 ) [ طه : 43 - 47 ] . وفي هذا النص دعاهم إلى التقدم برقيق القول إرشادا لسبيل الدعوة إذ هي تكون بالتي هي أحسن ليلين الطاغي وليسكن النافر ، وقد أبديا للّه سبحانه الخوف من أن يطغى ، فوعدهما سبحانه بأنه سيكون معهما ، وقد سبق القول ، بسابغ نعمه ، وصادق وعده ، وكان لا بد من ذكر ذلك عند دعوتهما إلى ذلك الإقدام الخطير .