محمد أبو زهرة

125

المعجزة الكبرى القرآن

( ه ) ولندخل إلى جزء آخر من قصة إبراهيم ، ونراه مستقلا غير مكرر ، وهو صلة إبراهيم بأبيه ، وكيف كان حريصا عليه مع رفق الدعوة وإحسان البنوة ، وطرق الهداية الرشيدة ، يقول اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم بعد أن صار صديقا نبيا : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) [ مريم : 41 - 47 ] . وهنا نجد رفق الدعوة التي تفيض بحنان البنوة في عباراتها ، وفي نغماتها الهادئة ، وفي معانيها العاطفة ، ولا يمكن أن يوجد في أي لغة في أي كلام عبارات برفق الدعوة ، والعطف ، والرعاية بمثل هذه العبارات لأنها كلام العليم الحكيم العزيز الكريم . وبمقدار ما في عبارات الابن من رفق واسترضاء واستعطاف كانت عبارات الأب كما صورها القرآن جفوة ، وكأنها الجنادل تصك الآذان ، ولم يمنع ذلك الابن العطوف من أن يعد أباه بأن يستغفر له ربه ، لأن له مكانة عند اللّه تعالى : إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا . ولكن اللّه تعالى يخبره بأنه ليس له أن يستغفر لأبيه ، لأن كل امرئ بما كسب رهين ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وكل إنسان وما قدمت يداه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وقد نهى اللّه تعالى عن الاستغفار للمشركين ، وعفا عن إبراهيم إذ استغفر لأبيه ولكنه أمره بالبراءة منه فتبرأ ، وقال تعالى في ذلك : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) [ التوبة : 113 ، 114 ] . هذه قصة إبراهيم عليه السلام قبضنا منها قبضة ، لكيلا يتوهم القارئ للقرآن ، أو المستمع لتلاوته أن فيها معاني مكررة وألفاظا مرددة ، ومنها يتبين أنه لا تكرار قط فيها ، ولكن حكمة العليم الخبير تعالت كلماته اقتضت ذكرها متفرقة الأجزاء في مواضع ، لتكون كل عبرة بجوار خبرها في القصة ، ولو اجتمعت في مكان واحد لاختلطت العبرة بالقصة الخبرية ، وما تميزت كل عبرة تميزا يجعلها كونا مستقلا مقصودا بالذات ، وبقية الأجزاء التي لم نرطب قلمنا بذكرها لا تكرار فيها بل كل واحدة لها عبرتها .