محمد أبو زهرة

126

المعجزة الكبرى القرآن

قصة موسى عليه السلام 77 - قصة سيدنا موسى ذكرت في القرآن الكريم كثيرا ؛ لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة ، وفيها المبادئ المقررة في الشرائع السماوية ، وكثير من أحكام المعاملات فيها لم ينسخ ، بل جلها صدق عليه القرآن الكريم ، كما وصفه اللّه تعالى إذ قال سبحانه : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ [ آل عمران : 50 ] ، ولأنها تبين أحوال اليهود ، ولأن فيها أوصافهم الحقيقية من الشك والتردد في الحق ، وخذلانه ، وما وسموا به من خنوع وخضوع إلى آخر ما ذكره القرآن عنهم ، وكل ذكر لهم يجيء معه ذكر لنبي من الأنبياء ، ففيهم تجارب الإنسانية الفاسدة ، وحالهم في هذه الأيام هي امتداد لما ذكره القرآن من أوصافهم . وإن المتتبع لقصة سيدنا موسى في القرآن يجدها متعددة العبر ، في جهاده وفي قومه ، وفيما لقيه ، وهو من أولى العزم من الرسل الذين جاهدوا في اللّه حق جهاده ، ففي كل واقعة من وقائع حياته عبرة . ولا تكرار بالقدر الذي يتوهمه التالي للقرآن أو المستمع لتلاوته ، ولنقبس قبسات من ميلاده إلى جلاده مع فرعون الطاغية الذي كان من أغنى ملوك العالمين ، وأشدهم طغيانا ، ولسنا نحصى كل المواضع بل نذكر ما يتوهم فيه التكرار من قصد لجديد . ( أ ) أول ما نتجه إليه هو ميلاده ؛ وما أحيط به من خوارق العادات فقد قال تعالى في سورة القصص : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ( 8 ) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 9 ) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) [ القصص : 7 - 13 ] . وفي هذه القصة نجد عدة خوارق للعادات اقترنت بنبي اللّه موسى عليه السلام في نشأته . فقد ولد ، فخافت عليه أمه ، إذ إن فرعون اللعين الذي يعد أستاذا لكل طاغية في الأرض ، كان يرهق بني إسرائيل ، يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم لكيلا تكون منهم في القابل قوة تناوئ حكمه ، وترد طغيانه ، ولكن اللّه تعالى ألهم نفس أمه الصافية ، أن تصنع له تابوتا ، وتلقى فيه فلذة كبدها ، وتدفعه إلى البحر ، فكان الوحي