محمد أبو زهرة

120

المعجزة الكبرى القرآن

وإن هذا الكلام الكريم لا يمكن أن يكون خطابا لليهود وحدهم ، وإنما هو خطاب للعرب ، ولم يكن باللمح والإشارة . بل كان بالتصريح والعبارة ، فلم يكن بالإيجاز ، وإن كان الإيجاز القرآني من نوع الإعجاز ، بل كان بالإطناب المتسق المبين ، وكان فيه بعض التكرار في موضعه ، لأن التوجيه إلى النظر فيما تحت أيديهم هو في ذاته مقدمة لنتيجة هي الوحدانية للمعبود ما دامت وحدانية الخالق قد ثبتت بهذا الكلام ، فكان لا بد أن تذكر النتيجة أمام كل مقدمة ، لأنها وحدها دليل ، ولو لم تذكر النتيجة أمام كل مقدمة ، لكانت النتيجة ثمرة لمجموعها ، مع أن كل واحدة منها صالحة لأن تكون الوحدانية نتيجة لها ، دون أن تنضم معها غيرها . الملاحظة الثالثة - وهي مبنية على الملاحظة السابقة ، أن الإيجاز والإطناب يكون لكل موضعه ، ومقامه ، فلكل مقام مقتضاه الذي توجه أحوال البيان المعجز . وقد لاحظنا أن مقام الاستدلال على الوحدانية من المواضع التي يحسن فيها الإطناب ، وكلام اللّه تعالى اتجه إلى ذلك ، كما رأينا في الآية السابقة ، وكما نرى في سورة الرحمن فإنها تذكير بنعم اللّه تعالى ، وكل نعمة كفروا إذ استعملوها في غير موضعها ، وفي أمر اللّه تعالى ونهيه . وإذا كان جزاء النعم كفرا بالمنعم ، وإشراك غيره معه في العبادة ، فقد قال تعالى في سورة الرحمن : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ( 11 ) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) إلى آخر السورة الكريمة . وهكذا نجد بعد كل نص سام تتبين فيه نعمة الخالق بديع السماوات والأرض يكون تذكير بنعم اللّه ، ووجوب شكرها بالطاعة وتجنب المعصية والإقرار بوحدانية المعبود ، وألا يعبدوا غيره سبحانه وتعالى ، وفي ذلك إشارة إلى أن كل نعمة من هذه النعم ، وبينة من هذه البينات توجب وحدها الشكر ، وتوجب الإقرار بوحدانية اللّه سبحانه وتعالى .