محمد أبو زهرة
121
المعجزة الكبرى القرآن
1 - قصص القرآن من الناحية البيانية 75 - ومن المواضع التي يحسن فيها الإطناب ، بل التكرار أحيانا قصص القرآن ، ولا نذكره هنا من ناحية أنه من وجوه الإعجاز في ذاته فلذلك موضع خاص من القول ، إنما نذكره من ناحية التكرار فيه ، وموضع ذلك من سر الإعجاز ، وبلاغة القرآن التي لا تساميها بلاغة في الوجود ، وإن ذلك التكرار من تصريف القول الذي هو وجه من وجوه البيان القرآني الذي قصد إليه الكتاب العزيز . لقد تكررت قصص الأنبياء ، فذكرت قصة نوح عدة مرات بالإطناب أحيانا ، والإيجاز أحيانا ، وذكرت عيسى عدة مرات ، وذكرت قصة إبراهيم عدة مرات ، وذكرت قصة موسى عدة مرات ، وإنه يبدو بادي الرأي أن ذلك من مكرور العقول . وفيه التكرار ، فما وجه البلاغة في هذا التكرار ؟ إننا إذا نظرنا نظرة فاحصة تليق بمقام القرآن ، ومكانته في البيان العربي ، نجد أن التكرار فيه له مغزى ؛ ذلك أن القرآن ليس بكتاب قصص ، وليس كالروايات القصصية التي تذكر الحوادث المتخيلة أو الواقعة . إنما قصص القرآن ، وهو قصص لأمور واقعة ، يساق للعبر وإعطاء المثلات ، وبيان مكان الضالين ومنزلة المهتدين ، وعاقبة الضلال وعاقبة الهداية ، وبيان ما يقاوم به النبيون ، ووراءهم كل الدعاة للحق ، فهو قصص للعبرة بين الواقعات ، لا لمجرد المتعة من الاستماع ، والقراءة ، ولذلك قال اللّه تعالى في آخر قصة نبي اللّه يوسف عليه السلام : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) [ يوسف : 111 ] . ولكي يتبين للقارئ الكريم ، أن التكرار بتسبب تعدد العبر التي هي المقصد الأول من القصص ، نذكر قصة إبراهيم وقصة موسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم ، فإنهما ذكرتا كثيرا في القرآن الكريم . قصة إبراهيم : 76 - ذكرت قصة إبراهيم في القرآن عدة مرات ، لتعدد العبر فيها . وإن إبراهيم كان أبا العرب ، فقصصه له مقامه عند العرب ، ونذكر من قصصه بعضه لا كله ، فإنه ليس هذا مقام ذكره في القرآن . ( أ ) أول ما نذكر من قصة إبراهيم ، هو ما يربطه بالعرب . وما كان شرف العرب به بناء الكعبة ، فقد ذكر هذا البناء الذي قام به ، وعاونه فيه ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، وبإبراهيم وإسماعيل تشرف العرب ، بأنهم سلالتهما ، وبالبيت الحرام اعتزوا ، وعلوا في العرب ، إذ كان مثابة للناس وأمنا ، وقد قال تعالى في هذا البناء الذي قام بأمر رباني :