محمد أبو زهرة

10

المعجزة الكبرى القرآن

وكان بجوار هذه الروح المادية التي سادت بني إسرائيل استجابة لما هو سائد في عصرهم الروماني الذي كان يزمن بالمادة ، كان بجوار هذا إيمان بالأسباب العادية والمسببات ، بحيث يعتقدون أنه لا يمكن أن ينفك السبب عن مسببه ، واللازم عن ملزومه ، فلا توجد نتائج من غير سبب عادى ، فلا ولد من غير والد ، ولا حياة تكون بعد موت من يموت ، فلا يرتد حيا ، وقد عجزت الأسباب عن أن يرتد حيا من يموت ، وعجزت الأسباب عن أن يرتد بصيرا من يولد أعمى . لقد سادت الفلسفة الأيونيه ، والفلسفة اليونانية التي تقرر لزوم الأسباب العادية ، حتى لقد فرضوا أن الأشياء نشأت عن الخالق لها بقانون السببية ، فقالوا : إن الكون نشأ عن المنشئ الأول نشوء المسبب عن سببه بلا إرادة مختارة منشئة . لقد قرروا أن قانون الأسباب هو الذي يحكم كل شئ . لذلك كانت معجزات عيسى عليه السلام متضمنة الرد والتنبيه في أمرين : أولهما : بيان سلطان الروح ، فقد ظهرت الروح مسيطرة موجهة مرشدة في أنه كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، وفي أنه عليه السلام أحيا الموتى بإذن اللّه ، وأخرجهم من قبورهم بإذن اللّه ، وأنزل عليه مائدة من السماء بإذن اللّه تعالى . وثانيهما : أنه كانت معجزاته عليه السلام هادمة لارتباط الأسباب العادية بمسبباتها ، لقد ولد من غير أب ، والأسباب العادية تقرر أنه لا مولود من غير والد ، وتكلم في المهد صبيا ، وذلك غير المقرر في الأسباب والمسببات ، وأخبر عن بعض المغيب عنه ، وذلك غير الأسباب العادية التي توجب المعاينة في صدق الأخبار . وأحيا الموتى بإذن اللّه ، وذلك ما لا يتحقق في الأسباب العادية . وهكذا نجد معجزات عيسى عليه السلام ورسالته كانت إيقاظا شديدا لعصره ، وتنبيها لمكان الروح ، وسلطانها ، وبيانا لقدرة اللّه تعالى ، وأنه الفعال لما يريد ، فكانت رسالته ومعجزاته مناسبة لعصره . معجزة القرآن وكل معجزات الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم سواء أكانت مادية في كونها ، أم كانت متضمنة معاني روحية - كانت من النوع الذي يحس بالرؤية ، ويكون من بعدها التأمل ، وليس من النوع الذي يكون بالتأمل ، ولا يدرك إلا بالتأمل ، وإن كان قائما ثابتا في الوجود من غير ريب ، وكانت حوادث تقع ، ولا تبقى ، ولا يبقى منها إلا الإخبار بها ، فلا يعرفها على اليقين إلا من عاينها .