محمد أبو زهرة
11
المعجزة الكبرى القرآن
4 - ولكن معجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم كانت من نوع آخر ، لم تكن حادثة تقع ، وتزول من غير بقاء لها إلا بالخبر ، بل كانت قائمة تخاطب الأجيال ، يراها ويقرؤها الناس في كل عصر ، ونقول : إنها مناسبة لرسالة النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لعمومها في الأجيال ، ولمكانته بين الرسل ، ومقامه في هذا الوجود الإنسانى إلى يوم القيامة . إن معجزات الأنبياء السابقين لا يعلم وقوعها على وجه اليقين إلا من القرآن ، فهو الذي سجل معجزات نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، ولولا أنه سجلها ما علمها الناس ، وإذا كانت بعض الكتب القائمة اليوم ذكرت بعضها فقد ذكرته مشوبا بأمور غير صادقة كإخبارهم بأن لوطا كان مخمورا فوقع على ابنتيه ، وما يكتب فيه مثل هذا عن بعض النبيين لا يمكن أن يكون مقبول الخبر عن سائرهم ومعجزاتهم . ونقول : إن معجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم كانت القرآن ، لقد أجرى اللّه تعالى على يديه خوارق عادات أخرى مثل إخباره عن بعض ما يغيب عن حسه ، ومثل حنين الجذع إليه ، ومثل بكاء الناقة عنده ، ومثل الإسراء والمعراج ، ولكن لم يتحدّ إلا بالقرآن الكريم ، ولم ير المشركون صرحا شامخا يتحداهم به سوى القرآن الكريم . ولما ذا كانت معجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم القرآن ، وما كان يرجو الاتباع إلا به ، ولقد روى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من نبي إلا أوتى ما مثله آمن به البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى به إلى ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » ومن هذا يتبين جواب ذلك السؤال ، وهذا لأن رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلم خالدة ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين ، ولا نبي بعده ، فيجب أن تكون معجزته مناسبة لهذه الرسالة الخالدة الباقية التي لا يحدها زمان في المستقبل ، بل تبقى إلى يوم القيامة ولا تكون معجزته واقعة تنقضى ، وتنتهى بانتهاء الزمن الذي وجدت فيه ، بل تبقى الحجة ما بقيت الشريعة ، وذلك محقق في القرآن ، فهو حجة قائمة على العرب والعجم إلى يوم الدين ، وهو معجز لكل الخلائق ، وذلك ما نتصدى لبعضه ، واللّه هو المعين . المعجزة الخالدة 5 - تلك المعجزة الخالدة هي القرآن الذي يتحدى الأجيال كلها أن يأتوا بمثله ، ولو اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، كما ذكر اللّه سبحانه وتعالى في محكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، هو حجة اللّه على خلقه ، وحجة النبي صلى اللّه عليه وسلم في رسالته ، وسجل الشريعة المحكم في بيانه ، وهو المرجع عند الاختلاف ، والحكم العدل عند الافتراق ، وهو الطريق المستقيم المرشد عن الاعوجاج ، من سلكه وصل ، ومن لجأ إليه اهتدى .