الغزالي
488
إحياء علوم الدين
لا إدلالا بأعماله في الارتحال ومفارقة الأهل والمال ، ولكن ثقة بفضل الله عز وجل ورجاء لتحقيقه وعده لمن زار بيته وليرج أنه إن لم يصل إليه وأدركته المنية في الطريق لقى الله عز وجل وافدا إليه إذ قال جل جلاله * ( ومن يَخْرُجْ من بَيْتِه مُهاجِراً إِلَى الله ورَسُولِه ثُمَّ يُدْرِكْه الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُه عَلَى الله « 1 » ) وأما دخول البادية إلى الميقات ومشاهدة تلك العقبات : فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات . وليتذكر من هول قطاع الطريق هول سؤال منكر ونكير ، ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي والحيات ، ومن انفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر وكربته ووحدته وليكن في هذه الخاوف في أعماله وأقواله متزودا لمخاوف القبر وأما الإحرام والتلبية من الميقات : فليعلم أن معناه إجابة نداء الله عز وجل ، فارج أن تكون مقبولا ، وأخش أن يقال لك : لا لبيك ولا سعديك . فكن بين الرجاء والخوف مترددا ، وعن حولك وقوّتك متبرئا ، وعلى فضل الله عز وجل وكرمه متكلا ، فان وقت التلبية هو بداية الأمر وهي محل الخطر . قال سفيان بن عيينة : حج علي بن الحسين رضي الله عنهما فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرّ لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي ، فقيل له : لم لا تلبي ؟ فقال : أخشى أن يقال لي لا لبيك ولا سعديك ، فلما لبى غشى عليه ووقع عن راحلته ، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه . وقال أحمد بن أبي الحواري : كنت مع أبي سليمان الدارنى رضي الله عنه حين أراد الإحرام فلم يلب حتى سرنا ميلا فأخذته الغشية ثم أفاق وقال . يا أحمد إن الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام : مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلوا من ذكرى فانى أذكر من ذكرني منهم باللعنة ، ويحك يا أحمد : بلغني أن من حج من غير حله ثم لبى قال الله عز وجل لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك ، فما نأمن أن يقال لنا ذلك ! وليتذكر الملبي عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابته لنداء الله عز وجل ، إذ قال : * ( وأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ « 2 » ) * ونداء الخلق بنفخ الصور ، وحشرهم من القبور ، وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه ، ومنقسمين إلى مقربين وممقوتين ، ومقبولين ومردودين ، ومترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا
--> « 1 » النساء : 100 « 2 » الحج : 27