الغزالي

489

إحياء علوم الدين

وأما دخول مكة : فليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم الله تعالى آمنا ، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله عز وجل ، وليخش أن لا يكون أهلا للقرب فيكون بدخوله الحرم خائبا ومستحقا للمقت ، وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالبا ، فالكرم عميم ، والرب رحيم ، وشرف البيت عظيم ، وحق الزائر مرعى ، وذمام المستجير اللائذ غير مضيع وأما وقوع البصر على البيت . فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب ، ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه ، وارج أن يرزقك الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم كما رزقك الله النظر إلى بيته العظيم . واشكر الله تعالى على تبليغه إياك هذه الرتبة وإلحاقه إياك بزمرة الوافدين عليه ، واذكر عند ذلك انصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة آملين لدخولها كافة ، ثم انقسامهم إلى مأذونين في الدخول ومصروفين ، انقسام الحاج إلى مقبولين ومردودين . ولا تغفل عن تذكر أمور الآخرة في شيء مما تراه ، فان كل أحوال الحاج دليل على أحوال الآخرة وأما الطواف بالبيت : فاعلم أنه صلاة فاحضر في قلبك فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة ما فصلناه في كتاب الصلاة . واعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله ، ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت ، بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت ، حتى لا تبتدئ الذكر إلا منه ولا تختم إلا به كما تبتدئ الطواف من البيت وتختم بالبيت . واعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية ، وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر وهي عالم الملكوت ، كما أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب ، وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح الله له الباب . وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن البيت المعمور في السماوات بإزاء الكعبة ، فان طواف الملائكة به كطواف الأنس بهذا البيت . ولما قصرت رتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف أمروا بالتشبه بهم بحسب الإمكان ، ووعدوا بأن [ 1 ] « من تشبّه بقوم فهو منهم » والذي يقدر على مثل ذلك الطواف هو الذي يقال إن الكعبة تزوره وتطوف به ، على ما رآه بعض المكاشفين لبعض أولياء الله سبحانه وتعالى