الغزالي

432

إحياء علوم الدين

فأي معنى لقوله صلَّى الله عليه وسلم « كم من صائم ليس له من صومه إلَّا الجوع والعطش » ؟ ولهذا قال أبو الدرداء : يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم ، كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ، ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين ، ولذلك قال بعض العلماء : كم من صائم مفطر ، وكم من مفطر صائم . والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب ، والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه . ومن فهم معنى الصوم وسره علم أن مثل من كف عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات ، فقد وافق في الظاهر العدد ، إلا أنه ترك المهم وهو الغسل ، فصلاته مردودة عليه بجهله . ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاءه مرة مرة ، فصلاته متقبلة إن شاء الله لإحكامه الأصل ، وإن ترك الفضل . ومثل من جمع بينهما كمن غسل كل عضو ثلاث مرات فجمع بين الأصل والفضل وهو الكمال . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الصّوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته » [ 2 ] ولما تلا قوله عز وجل : * ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها « 1 » ) * وضع يده على سمعه وبصره فقال : السمع أمانة ، والبصر أمانة . ولولا أنه من أمانات الصوم لما قال صلَّى الله عليه وسلم « فليقل إنّى صائم » أي انى أودعت لساني لا حفظه فكيف أطلقه بجوابك فإذا قد ظهر أن لكل عبادة ظاهرا وباطنا وقشرا ولبا ، ولقشورها درجات ، ولكل درجة طبقات ، فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أرباب الألباب

--> « 1 » النساء : 58