الغزالي
393
إحياء علوم الدين
فقد يكون الاعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل ، ومن عرف الفوائد والغوائل ولم ينظر بعين الشهوة ، اتضح له الأولى والأليق بكل حال الوظيفة الخامسة : أن لا يفسد صدقته بالمنّ والأذى قال الله تعالى * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * « 1 » واختلفوا في حقيقة المنّ والأذى ، فقيل المنّ أن يذكرها ، والأذى أن يظهرها . قال سفيان : من من فسدت صدقته ، فقيل له كيف المنّ ؟ فقال : أن يذكره ويتحدث به . وقيل المنّ أن يستخدمه بالعطاء ، والأذى أن يعيره بالفقر . وقيل المنّ أن يتكبر عليه لأجل عطائه ، والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « لا يقبل الله صدقة منّان » وعندي أن المنّ له أصل ومغرس ، وهو من أحوال القلب وصفاته ، ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح ، فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه ، وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار ، وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به ، فحقه أن يتقلد منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 2 ] « إن الصّدقة تقع بيد الله عزّ وجلّ قبل أن تقع في يد السّائل » . فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه ، والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل ، ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا ، فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه ، أما برزقه ، أما هو فإنما يقضى الذي لزمه بشراء ما أحبه فهو ساع في حق نفسه فلم يمنّ به على غيره ، ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه ، إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى ، أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل : أو شكرا على نعمة المال طلبا للمريد ، وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه ، ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى
--> « 1 » البقرة : 264