الغزالي

394

إحياء علوم الدين

نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المنّ ، وهو التحدث به ، وإظهاره ، وطلب المكافأة منه ، بالشكر والدعاء ، والخدمة والتوقير ، والتعظيم والقيام بالحقوق ، والتقديم في المجالس ، والمتابعة في الأمور . فهذه كلها ثمرات المنة : ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف ، وباطنه وهو منبعه أمران ( أحدهما ) كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه ، فان ذلك يضيق الخلق لا محالة و ( الثاني ) رؤيته أنه خير من الفقير ، وأن الفقير لسبب حاجته أخس منه ، وكلاهما منشؤه الجهل . أما كراهية تسليم المال فهو حمق ، لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوى ألفا فهو شديد الحمق ، ومعلوم أنه يبذل المال بطلب رضا الله عز وجل والثواب في الدار الآخرة ، وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكرا لطلب المزيد ، وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها . وأما الثاني فهو أيضا جهل ، لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير ، بل تبرك به وتمنى درجته ، فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم « هم الأخسرون وربّ الكعبة . فقال أبو ذرّ : من هم ؟ قال : هم الأكثرون أموالا » الحديث . ثم كيف يستحقر الفقير وقد جعله الله تعالى متجرة له ، إذ يكتسب المال بجهده ، ويستكثر منه ، ويجتهد في حفظه بمقدار الحاجة . وقد ألزم أن يسلم إلى الفقير قدر حاجته ، ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلم إليه فالغنى مستخدم للسعي في رزق الفقير ، ويتميز عليه بتقليد المظالم والتزام المشاق وحراسة الفضلات ، إلى أن يموت فيأكله أعداؤه ، فاذن مهما انتقلت الكراهية وتبدلت بالسرور والفرح بتوفيق الله تعالى له في أداء الواجب وتقبيضه الفقير حتى يخلصه عن عهدته بقبوله منه ، انتفى الأذى والتوبيخ وتقطيب الوجه ، وتبدل بالاستبشار والثناء وقبول المنة . فهذا منشأ المن والأذى فإن قلت : فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض ، فهل من علامة يمتحن بها قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسنا ؟