الغزالي

548

إحياء علوم الدين

فإن كان قد أنس به تمتع به وتلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه ، إذ ضرورات الحاجات في الحياة الدنيا تصد عن ذكر الله عز وجل ولا يبقى بعد الموت عائق ، فكأنه خلى بينه وبين محبوبه فعظمت غبطته وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه عما به أنسه ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « إنّ روح القدس نفث في روعي ، أحبب ما أحببت فإنّك مفارقه » أراد به كل ما يتعلق بالدنيا ، فان ذلك يفنى في حقه بالموت ، فكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، وانما تفنى الدنيا بالموت في حقه إلى أن تفنى في نفسها عند بلوغ الكتاب أجله ، وهذا الانس يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار الله عز وجل ، ويترقى من الذكر إلى اللقاء وذلك بعد أن يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور ، ولا ينكر بقاء ذكر الله عز وجل معه بعد الموت ، فيقول انه أعدم فكيف يبقى معه ذكر الله عز وجل فإنه لم يعدم عدما يمنع الذكر بل عدما من الدنيا وعالم الملك والشهادة لا من عالم الملكوت ، وإلى ما ذكرناه الإشارة بقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « القبر إمّا حفرة من حفر النّار أو روضة من رياض الجنّة » وبقوله صلَّى الله عليه وسلم : [ 3 ] « أرواح الشّهداء في حواصل طيور خضر » وبقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] لقتلى بدر من المشركين « يا فلان يا فلان » وقد سماهم النبي صلَّى الله عليه وسلم « هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا فإنّى وجدت ما وعدني ربّي حقّا » فسمع عمر رضي الله عنه قوله صلَّى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يسمعون وأنّى يجيبون وقد جيفوا ، فقال صلَّى الله عليه وسلم « والَّذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لكلامي منهم ولكنّهم لا يقدرون أن يجيبوا » والحديث في الصحيح هذا قوله عليه السلام في المشركين