الغزالي
549
إحياء علوم الدين
فأما المؤمنون والشهداء فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « أرواحهم في حواصل طيور خضر معلَّقة تحت العرش » وهذه الحالة وما أشير بهذه الألفاظ إليه لا ينافي ذكر الله عز وجل وقال تعالى : * ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ الله من فَضْلِه ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ من خَلْفِهِمْ « 1 » ) * الآية ولأجل شرف ذكر الله عز وجل عظمت رتبة الشهادة ، لأن المطلوب الخاتمة ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله ، والقلب مستغرق با لله عز وجل منقطع العلائق عن غيره ، فان قدر عبد على أن يجعل همه مستغرقا با لله عز وجل ، فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة الا في صف القتال ، فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده ، بل من الدنيا كلها فإنه يريدها لحياته ، وقد هوّن على قلبه حياته في حب الله عز وجل وطلب مرضاته ، فلا تجرد لله أعظم من ذلك ولذلك عظم أمر الشهادة ، وورد فيه من الفضائل ما لا يحصى ، فمن ذلك أنه لما استشهد عبد الله بن عمرو الأنصاري يوم أحد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] لجابر « ألا أبشّرك يا جابر قال بلى بشّرك الله بالخير قال إنّ الله عزّ وجلّ أحيا أباك فأقعده بين يديه وليس بينه وبينه ستر فقال تعالى تمنّ علىّ يا عبدي ما شئت أعطيكه فقال يا ربّ أن تردّنى إلى الدّنيا حتّى أقتل فيك وفي نبيّك مرّة أخرى فقال عزّ وجلّ سبق القضاء منّى بأنّهم إليها لا يرجعون » ثم القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة ، فإنه لو لم يقتل وبقي مدة ربما عادت شهوات الدنيا إليه وغلبت على ما استولى على قلبه من ذكر الله عز وجل ، ولهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة ، فان القلب وان ألزم ذكر الله عز وجل فهو متقلب ، لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ، ولا ينفك عن فترة تعتريه ، فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر من الدنيا واستولى عليه وارتحل عن الدنيا ، والحالة هذه ، فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحن بعد الموت إليه ، ويتمنى الرجوع إلى الدنيا ، وذلك لقلة حظه في الآخرة ، إذ يموت المرء على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه ، فأسلم الأحوال عن هذا الخطر خاتمة الشهادة ،
--> « 1 » آل عمران : 169 ، 170