الغزالي
547
إحياء علوم الدين
فاعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة ، والقدر الذي يسمح بذكره في علم المعاملة أن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب ، فاما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى ، وفي الأخبار ما يدل عليه أيضا [ 1 ] وحضور القلب في لحظه بالذكر والذهول عن الله عز وجل مع الاشتغال بالدنيا أيضا قليل الجدوى ، بل حضور القلب مع الله تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات ، وهو غاية ثمرة العبادات العملية ، وللذكر أول وآخر ، فأوله يوجب الانس والحب ، وآخره يوجبه الانس والحب ويصدر عنه ، والمطلوب ذلك الانس والحب ، فان المريد في بداية أمره قد يكون متكلفا بصرف قلبه ولسانه عن الوسواس إلى ذكر الله عز وجل ، فان وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور ، ولا ينبغي أن يتعجب من هذا فان من المشاهد في العبادات أن تذكر غائبا غير مشاهد بين يدي شخص وتكرر ذكر خصاله عنده فيحبه ، وقد يعشق بالوصف وكثرة الذكر ، ثم إذا عشق بكثرة الذكر المتكلف أولا صار مضطرا إلى كثرة الذكر آخرا بحيث لا يصبر عنه ، فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره ، ومن أكثر ذكر شيء وأن كان تكلفا أحبه ، فكذلك أول الذكر متكلف إلى أن يثمر الانس بالمذكور والحب له ، ثم يمتنع الصبر عنه آخرا فيصير الموجب موجبا والثمر مثمرا ، وهذا معنى قول بعضهم كابدت القرءان عشرين سنة ، ثم تنعمت به عشرين سنة ، ولا يصدر التنعم إلا من الانس والحب ولا يصدر الأنس إلا من المداومة على المكابدة والتكلف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعا ، فكيف يستبعد هذا ؟ وقد يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولا ، ويكابد أكله ، ويواظب عليه فيصير موافقا لطبعه حتى لا يصبر عنه ، فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف هي النفس ما عودتها تتعود أي ما كلفتها أولا يصير لها طبعا آخرا ، ثم إذا حصل الأنس بذكر الله سبحانه انقطع من غير ذكر الله ، وما سوى الله عز وجل هو الذي يفارقه عند الموت ، فلا يبقى معه في القبر أهل ولا مال ولا ولد ولا ولاية ، ولا يبقى إلا ذكر الله عز وجل