الغزالي

526

إحياء علوم الدين

المتين ونوره المبين وشفاؤه النّافع ، عصمة لمن تمسّك به ونجاة لمن اتّبعه ، لا يعوّج فيقوّم ولا يزيغ فيستقيم ، ولا تنقضي عجائبه ولا يخلقه كثرة التّرديد « الحديث . وفي حديث حذيفة لما أخبره رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] بالاختلاف والفرقة بعده قال : فقلت يا رسول الله فما ذا تأمرني إن أدركت ذلك ؟ فقال : تعلَّم كتاب الله واعمل بما فيه فهو المخرّج من ذلك . قال : فأعدت عليه ذلك ثلاثا فقال صلَّى الله عليه وسلم ثلاثا : تعلَّم كتاب الله عزّ وجلّ واعمل بما فيه ففيه النّجاة وقال علي كرم الله وجهه : من فهم القرءان فسر به جمل العلم ، أشار به إلى أن القرءان يشير إلى مجامع العلوم كلها : وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : * ( ومن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 1 » ) * يعنى الفهم في القرءان : وقال عز وجل : * ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وعِلْماً « 2 » ) * سمى ما آتاهما علما وحكما ، وخصص ما انفرد به سليمان بالتفطن له باسم الفهم ، وجعله مقدما على الحكم والعلم . فهذه الأمور تدل على أن في فهم معاني القرءان مجالا رحبا ومتسعا بالغا ، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه فأما قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] من فسّر القرءان برأيه ، ونهيه عنه صلَّى الله عليه وسلم ، وقول أبي بكر رضي الله عنه أيّ ارض تقلَّنى وأيّ سماء تظلني إذا قلت في القرءان برأيي إلى غير ذلك مما ورد في الأخبار والآثار في النهى عن تفسير القرءان بالرأي فلا يخلو : إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط والاستقلال بالفهم ، أو المراد به أمرا آخر . وباطل قطعا أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في القرءان إلا بما يسمعه لوجوه أحدها : أنه يشترط أن يكون ذاك مسموعا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ومسندا اليه ، وذلك مما لا يصادف إلا في بعض القرءان فأما ما يقوله ابن عباس وابن مسعود من أنفسهم فينبغي أن لا يقبل ، ويقال هو تفسير بالرأي لأنهم لم يسمعوه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وكذا غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم

--> « 1 » البقرة 269 « 2 » الأنبياء : 79