الغزالي

527

إحياء علوم الدين

والثاني : أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات . فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها ، وسماع جميعها من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم محال ، ولو كان الواحد مسموعا لردّ الباقي فتبين على القطع أن كل مفسر قال في المعنى بما ظهر له باستنباطه ، حتى قالوا في الحروف التي في أوائل السور سبعة أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها فقيل إن ( الر ) هي حروف من الرحمن وقيل : إن الألف الله ، واللام لطيف ، والراء رحيم ، وقيل غير ذلك ، والجمع بين الكل غير ممكن ، فكيف يكون الكل مسموعا والثالث : أنه صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] دعا لابن عباس رضي الله عنه وقال : « اللَّهمّ فقّهه في الدّين وعلَّمه التّأويل » فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل ومحفوظا مثله فما معنى تخصيصه بذلك والرابع : أنه قال عز وجل * ( لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ « 1 » ) * فأثبت لأهل العلم استنباطا ومعلوم أنه وراء السماع ، وجملة ما نقلناه من الآثار في فهم القرءان يناقض هذا الخيال ، فبطل أن يشترط السماع في التأويل وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرءان بقدر فهمه وحد عقله وأما النهى فإنه ينزل على أحد وجهين . أحدهما : أن يكون له في الشيء رأى ، وإليه ميل من طبعه وهواه ، فيتأوّل القرءان على وفق رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه ، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرءان ذلك المعنى ، وهذا تارة يكون مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرءان على تصحيح بدعته ، وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك ولكن يلبس به على خصمه ، وتارة يكون مع الجهل ، ولكن إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسر برأيه ، أي أيه هو الذي حمله على ذلك التفسير ، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه ، وتارة قد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرءان ، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « تسحّروا فإنّ في السّحور بركة » ويزعم أن المراد به التسحر بالذكر ، وهو يعلم أن المراد به الأكل ، وكالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي

--> « 1 » النساء : 83