الغزالي

502

إحياء علوم الدين

وأولى ما يرجع إليه في التقديرات قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من قرأ القرءان في أقلّ من ثلاث لم يفقهه » وذلك لان الزيادة عليه تمنعه الترتيل . وقد قالت عائشة رضي الله عنها لما سمعت رجلا يهذر القرءان هذرا : إن هذا ما قرأ القرءان ولا سكت . « وأمر النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم [ 2 ] عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يختم القرءان في كلّ سبع » وكذلك كان جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يختمون القرءان في كل جمعة : كعثمان ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم . ففي الختم أربع درجات : الختم في يوم وليلة وقد كرهه جماعة ، والختم في كل شهر كل يوم جزء من ثلاثين جزءا ، وكأنه مبالغة في الاقتصار كما أن الأوّل مبالغة في الاستكثار ، وبينهما درجتان معتدلتان : إحداهما في الأسبوع مرة ، والثانية في الأسبوع مرتين تقريبا من الثلاث والأحب أن يختم ختمة بالليل وختمة بالنهار ، ويجعل ختمه بالنهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما ، ويجعل ختمه بالليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما ، ليستقبل أول النهار وأول الليل بختمته ، فان الملائكة عليهم السلام تصلي عليه إن كانت ختمته ليلا حتى يصبح ، وإن كان نهارا حتى يمسي فتشمل بركتهما جميع الليل والنهار . والتفصيل في مقدار القراءة أنه إن كان من العابدين السالكين طريق العمل فلا ينبغي أن ينقص عن ختمتين في الأسبوع ، وإن كان من السالكين بأعمال القلب وضروب الفكر أو من المشتغلين بنشر العلم فلا بأس أن يقتصر في الأسبوع على مرة ، وإن كان نافذ الفكر في معاني القرءان فقد يكتفى في الشهر بمرة لكثرة حاجته إلى كثرة الترديد والتأمل الثالث في وجه القسمة : أما من ختم في الأسبوع مرة فيقسم القرءان [ 3 ] سبعة أحزاب ، فقد حزب الصحابة رضي الله عنهم القرءان أحزابا ، فروى أن عثمان رضي الله عنه كان يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة