الغزالي

501

إحياء علوم الدين

وقد ورد في التوراة : يا عبدي أما تستحي منى : يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك شيء منه ، وهذا كتابي أنزلته إليك ، أنظر كم فصلت لك فيه من القول ، وكم كررت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه ، أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك ! يا عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فان تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف ، وها أنا ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عنى ، أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك ؟ الباب الثاني في ظاهر آداب التلاوة وهي عشرة الأول في حال القارئ : وهو أن يكون على الوضوء واقفا على هيئة الأدب والسكون إما قائما ، وإما جالسا مستقبل القبلة ، مطرقا رأسه ، غير متربع ولا متكئ ولا جالس على هيئة التكبر ، ويكون جلوسه وحده كجلوسه بين يدي أستاذه . وأفضل الأحوال أن يقرأ في الصلاة قائما ، وأن يكون في المسجد ، فذلك من أفضل الأعمال . فان قرأ على غير وضوء وكان مضطجعا في الفراش فله أيضا فضل ولكنه دون ذلك ، قال الله تعالى : * ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ « 1 » ) * فأثنى على الكل ولكن قدم القيام في الذكر ثم القعود ثم الذكر مضطجعا . قال علىّ رضي الله عنه : من قرأ القرءان وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة ، ومن قرأه وهو جالس في الصلاة فله بكل حرف خمسون حسنة ، ومن قرأه في غير صلاة وهو على وضوء فخمس وعشرون حسنة ، ومن قرأه على غير وضوء فعشر حسنات ، وما كان من القيام بالليل فهو أفضل لأنه أفرغ للقلب . قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : إن كثرة السجود بالنهار وإن طول القيام بالليل أفضل الثاني في مقدار القراءة : وللقراء عادات مختلفة في الاستكثار والاختصار ، فمنهم من يختم القرءان في اليوم والليلة مرة ، وبعضهم مرتين ، وانتهى بعضهم إلى ثلاث ، ومنهم من يختم في الشهر مرة .

--> « 1 » آل عمران 191