الغزالي

492

إحياء علوم الدين

صلَّى الله عليه وسلم عند تردداته فيها ، وأنه ما من موضع قدم تطؤه إلا وهو موضع أقدامه العزيزة ، فلا تضع قدمك عليه إلا عن سكينة ووجل ، وتذكر مشيه وتخطيه في سككها ، وتصور خشوعه وسكينته في المشي . وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه ، وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته . ثم تذكر ما من الله تعالى به على الذين أدركوا صحبته وسعدوا بمشاهدته واستماع كلامه ، وأعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته وصحبة أصحابه رضي الله عنهم ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر ، وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة وقد حيل بينك وبينه قبوله إياك بسوء عملك ، كما قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « يرفع الله إلىّ أقواما فيقولون يا محمّد يا محمّد ! فأقول يا ربّ أصحابي ! فيقول إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول بعدا وسحقا » فان تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه بعدو لك عن محجته . وليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول الله تعالى بينك وبينه بعد أن رزقك الايمان وأشخصك من وطنك لأجل زيارته من غير تجارة ولاحظ في دنيا ، بل لمحض حبك له وشوقك إلى أن تنظر إلى آثاره وإلى حائط قبره إذ سمحت نفسك بالسفر بمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته ، فما أجدرك بأن ينظر الله تعالى إليك بعين الرحمة فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرصة التي اختارها الله سبحانه لنبيه صلَّى الله عليه وسلم ولأوّل المسلمين وأفضلهم عصابة ، وأن فرائض الله سبحانه أول ما أقيمت في تلك العرصة ، وأنها جمعت أفضل خلق الله حيا وميتا ، فليعظم أملك في الله سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه ، فأدخله خاشعا معظما ، وما أجدر هذا المكان بأن يستدعى الخشوع من قلب كل مؤمن كما حكى عن أبي سليمان أنه قال : حج أويس القرني رضي الله عنه ودخل المدينة فلما وقف على باب المسجد قيل له : هذا قبر النبي صلَّى الله عليه وسلم ، فغشى عليه ، فلما أفاق قال : أخرجوني فليس يلذ لي بلد فيه محمد صلَّى الله عليه وسلم مدفون !